هذيان...

كوننا ملوك الهذيان. بعد ثوان من مغادرة السيد حسن نصرالله الشاشة، وبالكلمات التي أحدثت كل ذلك الدوي، بدأت على شاشات أخرى، وعبر مواقع التواصل، التعليقات الجاهزة: السيد أزاح الستار عن السيناريو الذي يسعى، من سنوات، الى تحقيقه. ليس فقط السيطرة على السلطة في لبنان، وانما السيطرة على الدولة في لبنان...

هكذا الخراب السياسي، والخراب الاقتصادي، والخراب المالي، حلقات من السيناريو اياه الذي ينتهي بتنفيذ ميثاق الحزب، واقامة نظام اسلامي على شاكلة النظام الاسلامي في ايران. ذروة الهذيان...

على ذلك النحو الغرائزي (والمبرمج) تتم تبرئة من هم «حطابو المال العام»تمثلاً بذلك الحطاب الذي تحدثت عنه ألف ليلة وليلة، والذي حصل على كلمة السر للدخول الى ما بات يعرف بمغارة علي بابا، وقد بات رمزاً للصوصية عبر القرون.

من يلتقي بقيادات الحزب يدرك مدى عشق هؤلاء الناس لتراب البلد. التراب الذي امتزجت به دماء أبنائهم، ودماء آبائهم، ودماء ذويهم. لبنان لكل اللبنانيين، لا لفئة ولا لطائفة، ولا لقبيلة. هكذا قيل لنا، وهكذا يقال لنا.

لم يخطر في مخيلة أي منهم التصور الجهنمي بالاستيلاء على مقاليد الحكم في تلك التركيبة الفسيفسائية، وحيث من يمسك بالسلطة كمن يمسك بكرة النار، بعدما قضت المنظومة السياسية، بكل مكوناتها، على الأخضر واليايس لتتحول الجنة الى أرض يباب.

فلسفتهم الاستراتيجية، في بلد افتقدت فيه الطبقة الحاكمة الحد الأدنى من الحس الاستراتيجي، ومن الرؤية الاستراتيجية، الاً يكون لبنان القهرمانة في الهيكل، ولا الدمية، في ذلك الفراغ الذي لم يحاول العرب، يوماً، ملأه، حتى اذا ما فكر جمال عبد الناصر بذلك انقض عليه حاخامات العرب وغير العرب.

منذ مبدأ ايزنهاور (1957 )، وغروب الأمبراطورية البريطانية، والأمبراطورية الفرنسية، على ضفاف السويس، والمنطقة تدار على أنها الخالية ليس فقط من السياسات، ومن الاستراتيجيات. الخاوية حتى من... الكائنات البشرية!

ولكن ألم يكن الحزب شريكاً، لسنوات وسنوات، وان بمسافة أخلاقية، في السلطة اتي انتهت بالبلاد الى ما انتهت اليه، ولطالما كنا ضد دخوله في تلك المتاهة؟

هل هو الرد المقنع أن يقال أن الحزب، ومنذ أن حمل البندقية ضد الاحتلال، وهو يتلقى الضربات تلو الضربات، من البعيد ومن القريب؟ ما من مرة الا وكان في عين الاعصار. من يعود الى صحافة اسرائيل في البدايات لا بد أن يلاحظ أن المخططين الاستراتيجيين هناك غالباً ما كانوا يعتبرون المقاومة فقاعة، على شاكلة منظمة التحرير، وتنطفئ أو  تطفأ بالقتل والترويع، وفي منطقة لا يمكن، لهشاشتها، أن تحمل، أو أن تتحمل، ظاهرة بتلك الفاعلية وبتلك العزيمة. 

هكذا يقتضي أن يقرأ كلام السيد حسن نصرالله. اللبنانيون ذاهبون الى المجاعة الكبرى. هذا ينبغي ألاّ يحدث. وحين ينزل الحزب الى الشارع، والى جانبه القوى الثائرة ضد الأداء البربري للمنظومة السياسية، بكل مومياءاتها، لا يمكن للوضع، وفي حال من الأحوال، أن يبقى على ما هو عليه.

لا مجال للسكوت، ولا مجال للانتظار. الصوت وصل، في الحال، الى «علية القوم». فهموا جيداً ما عناه، وما يعنيه، كلامه، وأين سيكونون اذا ما بقي صراع الحقائب، وصراع الأنانيات، ان لم يكن صراع التفاهات، دون الاكتراث بأوجاع الذين بلغ أنينهم السماء.

من لا يصرخ، ويهدد، مثلما صرخ، ومثلما هدد، السيد. أي معنى لتلك الوجوه الفاخرة، والياقات الفاخرة، وهي تحلل، وفي الليلة ذاتها، وبالعيون العرجاء اياها، حركة الاصبع على الأنف.

الأقدام فقط هي التي تدق على الأرض، وهي التي تدق على الأبواب، وتحطم الأبواب. لا أبواب عالية في هذه المغارة التي حولوها الى... مقبرة.

لا نقطة دم، ولا رصاصة. الصرخة ان انطلقت تكفي لكي تزعزع أولئك الذين قال فيهم الانجيل «ويل لكم أيها الكتبة، والفريسيون، الذين تشبهون القبور المبيّضة». في ذلك اليوم سيكونون... القبور السوداء!!