الابواب موصدة أمام الحلول ومخاوف من انفلات الشارع وقفزات جديدة للدولار

قبل ساعتين من اللقاء الـ ١٨ بين الرئيسين عون والحريري قال مصدر نيابي بارز في احد المجالس الضيقة « ان الاجواء مقفلة ، وان كل المساعي التي بذلت في الايام القليلة الماضية لم تفتح اي ثغرة في جدار الازمة الحكومية».

واستطرد قائلا « يبدو واضحا ان المسافة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف كبيرة للغاية ، وان كلا منهما لا يتقبل الآخر رغم المحاولات التي بذلت منذ اكثر من خمسة شهور لتطبيع العلاقة بينهما.»

وحيال هذا التأزم المتزايد بين بيت الوسط وبعبدا رأى المصدر ان كل الحلول والمعالجات لفرملة التدهور الكبير في غياب وجود حكومة جديدة تبقى حلولا ترقيعية غير مجدية على كافة الصعد، بما فيها الاجراءات التي ينوي مصرف لبنان القيام بها هذا الاسبوع لفرملة وتخفيض سعر الدولار.»

وعلى طريقة «المكتوب بينقرا من عنوانو»، فان المعلومات التي جرى تداولها قبل لقاء بعبدا امس أكدت وتوافقت مع كلام المصدر النيابي، مشيرة الى ان كل الجهود التي بذلت منذ الخميس الماضي لم تسفر عن أي تقدم بل كشفت حجم الخلافات العميقة بين الرجلين التي وصلت الى أعلى السقوف.

وبعد البيان المقتضب الذي تلاه الحريري امس من بعبدا وردّ رئاسة الجمهورية وما جرى في اللقاء القصير ارتفع منسوب التصعيد بين الرجلين متجاوزا منسوب التوتر الذي ساد يوم الاربعاء اثر تبادل البيانات بين بعبدا وبيت الوسط، ما يؤشر الى ان البلاد ذاهبة الى مزيد من الخضّات السياسية والتداعيات في الشارع، بالاضافة الى الانعكاسات السلبية الخطيرة على الوضع النقدي.

ويقول مصدر سياسي مطلع ان التشنج بين عون والحريري ارتفع امس من مرحلة تبادل المواقف والبيانات الى مرحلة معركة الاوراق والتشكيلات الحكومية العلنية خارج الاصول والاعراف التي اتبعت سابقا، ما يعطي انطباعا بأننا ذاهبون الى فصل جديد من فصول الصراع والمواجهة الحادة بكل الوسائل السياسية، والى مزيد من الاضطرابات في الشارع.

ويضيف المصدر ان ما حصل امس يؤكد ان طرفي النزاع مصران على عدم تقديم اية تنازلات. فالرئيس عون يصرّ على الثلث المعطل ويبدو انه يخوض معركة تغيير التكليف، بينما يتمسك الحريري بورقة التكليف الى النهاية وبتكريس المعادلة التي أكد عليها الاربعاء الماضي وهي استقالة رئيس الجمهورية مقابل اعتذاره.

ويخشى المصدر ان تصبح البلاد اسيرة هذه المعادلة وهذه المعركة الفاصلة بين عون والحريري مهما ألبست من لبوس دستورية، لا سيما بعد انسداد الافاق امام المساعي التي بذلت لاخراج الحكومة من عنق الزجاجة ، مشيرا الى ان رهانات كل طرف على متغيرات في الداخل والخارج هي رهانات خاسرة وفي غير محلها، ولن تنتج الا مزيدا من الانهيار والخراب في البلاد.

ويرفض المصدر القول ان خطاب الامين العام لحزب الله ساهم بتصليب موقف الرئيس عون، لافتا الى ان التشدد الذي يبديه رئيس الجمهورية ليس جديدا وهو قائم منذ اكثر من خمسة اشهر، وهو متمسك بطريقة او بأخرى بالثلث المعطل معتبرا انه ليس سوى ترجمة للتوازن الطائفي والسياسي والشراكة الكاملة في عملية تشكيل الحكومة التي ينص عليها الدستور.

ويرى المصدر ان السيد نصرالله لم يطرح اية شروط متشددة في خطابه الاخير بل استمر يحثّ الطرفين على تقديم التنازلات المتبادلة حرصا على تسريع تاليف الحكومة، لافتا الى ان نصيحته بتشكيل حكومة تكنوسياسية ليست جديدة بل وردت في مواقف سابقة له في اكثر من مناسبة، مع العلم انه كان واضحا في الوقت نفسه انه لا يبدي اعتراضا على تأليف حكومة اختصاصيين غير حزبيين.

وبرأي المصدر ان عون وباسيل الذي تلقف الخطاب ربما استعانا بجزء مما ورد فيه لاستثماره وتقوية وضعهما التفاوضي مع الحريري، لكن الاتهامات التي ساقها البعض ضد السيد نصرالله هي في غير محلها ولا تعكس الحقيقة، ويكفي الاشارة الى ان الازمة الحكومية مستمرة منذ خمسة شهور وان خلافات عون والحريري على حالها ولم يطرأ عليها اي تطور ايجابي يذكر.

واذا كانت الازمة الحكومية مرشحة للاستمرار حتى اشعار آخر فان كل الخيارات التي اتبعت حتى الان في غياب الحكومة لتفادي الانهيار الاقتصادي والمالي اولا ثم لفرملته ثانيا باءت بالفشل، وهي ستبقى في حلقة مفرغة.

والجدير بالذكر ان حكومة الرئيس دياب كانت توقفت عن المضي في خطتها الاصلاحية قبل ان تقدم استقالتها بعد انفجار المرفأ، بعد ان تعثرت اثر تضارب الآراء حولها على غير صعيد ومنها بينها وبين لجنة المال النيابية.

وفي ظل الازمة اجتهد المجلس النيابي لاقرار سلسلة من القوانين الاصلاحية، لكنها بقيت حبرا على ورق مثل حوالي ستين قانونا لم تطبق في عهد حكومة دياب والحكومات السابقة. وصار المجلس لاحقا يركز على اقرار القوانين الملحّة لتصريف الاعمال والحد الادنى من الخدمات ولمواجهة تداعيات الازمة وجائحة كورونا مثل قرض البنك الدولي لمساعدة الاسر الفقيرة الذي اقر في الجلسة الاخيرة وسلفة الكهرباء التي ستكون على جدول اعمال الجلسة العامة قريبا.

ولا يعرف ما اذا كانت اللجان المشتركة ستتمكن اليوم من اقرار قانون استعادة الاموال المنهوبة بعد ان بدأت مناقشته امس، مع العلم ان الرئيس بري يشدد على اقراره لادراجه على جدول الجلسة العامة المنتظر عقدها قبل نهاية الشهر.

وتقول مصادر نيابية ان بعض مواد المشروع تحتاج الى درس ومناقشة خصوصا انها تستند الى امور لم تتحقق مثل تشكيل الهيئة الخاصة لمكافحة الفساد التي صدر قانونها منذ سنة، وقانون تبييض الاموال الذي لم يطبق بالاضافة الى قانون الاثراء غير المشروع الذي يفتقد التطبيق ايضا.

وهناك ملاحظات على اقتراح استعادة الاموال المنهوبة ايضا من وزارة العدل وهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان.

ويقول مصدر نيابي مضطلع بمتابعة الملفات الاقتصادية والمالية اننا لو اقدمنا في بداية الازمة على خطوة الكابيتال كونترول لكنا تجنبنا الكثير من السلبيات والمخاطر، لكننا اليوم بحاجة الى احداث تعديلات كثيرة على هذا الموضوع في ضوء التطورات التي حصلت والتي تجاوزت النص الحالي.

ولا يتوقع ان نستدرك هذا الانهيار المالي من دون خطوات سياسية، مشيرا الى ان ما جرى امس يفاقم الوضع ويضعنا امام مزيد من التحديات الصعبة للغاية.

ويرى المصدر ان ارتفاع الدولار الجنوني يعود لاسباب عديدة ، فالى جانب استخدامه كسلاح سياسي في المعركة حول الحكومة تعتبر ازمة الثقة عاملا اساسيا في تدهور الليرة تضاف اليها الاوضاع الاقتصادية المتدهورة وفقدان الدولار وتفاقم العجز وانخفاض احتياطي مصرف لبنان بصورة حادة. 

ويخشى المصدر من حصول قفزات جديدة للدولار، مشيرا الى ان كل الاجراءات التي اتخذت والتي ستتخذ لن تنجح في تخفيض سعر الدولار او فرملته في ضوء ارتفاع وتيرة التوتر السياسي والعجز في تأليف حكومة جديدة وازدياد أزمة الثقة بصورة عامة.