تفعيل حكومة دياب خيار لم ينجح؟ والإستمرار بالاتهامات المتبادلة سيُؤدي بالبلاد الى الإنهيار الشامل

تأكّد بأنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري لا يريد تشكيل الحكومة أو لا يستطيع تشكيلها حالياً، وذلك من خلال إصراره على التشكيلة نفسها التي قدّمها لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون منذ مئة يوم، ورغم معرفته بعدم قبول عون بها مذاك الوقت. كما ظهر بوضوح أنّ حكومة الإختصاصيين التي قدّمها الحريري وكشف عن أسماء والسير الذاتية للوزراء المسمّين فيها تُناقض قواعد الإختصاص ولا سيما في الأسماء التي أُسندت اليها حقيبتين لا علاقة لهما ببعضهما البعض مثل الخارجية والزراعة، والتنمية الإدارية والسياحة، والشؤون الإجتماعية والبيئة والشباب والرياضة، والإعلام وسواها، ولا تُراعي بالتالي وتحترم الميثاقية والدستور. فضلاً عن أنّ بعض المسمّين فيها هم مستشارون لدى الحريري. في المقابل، يبدو أنّ الرئيس عون لا يريد الحريري على رأس الحكومة الإنقاذية المرتقبة... فهل دخلت عملية تشكيل الحكومة الجمود من جديد، وما العمل لمعالجة الأزمات المتفاقمة في لبنان؟

مصادر سياسية مطّلعة أكّدت بأنّ الرئيس عون يسعى بعد فشل لقائه الأخير بالرئيس المكلّف في التوصّل الى تشكيلة حكومية تُرضي جميع الأطراف، لا سيما مع تمسّك الحريري بموقفه ورفضه مناقشة ملاحظات عون عليها، لعدم دخول عملية التأليف في الجمود القاتل… ولهذا بدأ بالحركة تجاه السفراء المعتمدين في لبنان، فاستدعى سفيري السعودية وفرنسا الى قصر بعبدا، علّ هذه الخطوة تحرّك التشكيل قبل أن يدخل في سباته العميق ما يدفع بالبلاد الى المزيد من الإنهيار. مع العلم، بأنّ هذه الحركة قد لا توصل الى النتيجة المرجوّة، على ما عقّبت المصادر، خصوصاً وأنّ سفراء هذه الدول قد أكّدوا على مواقف بلدانهم نفسها، إلاّ أنّها تُظهر اهتمام لبنان الرسمي بهذه المواقف، وأخذه بالإعتبار المقترحات التي قد تقدّم من قبلها.

وذكرت المصادر، بأنّ الجميع يعلم بأنّ دول الخارج مستاءة من عدم تحمّل المسؤولين اللبنانيين للمسؤولية وعدم التزامهم بتعهّداتهم فيما يتعلّق بتنفيذ المبادرة الفرنسية المدعومة من دول عدّة، وتُطالب بوضع المصالح الشخصية جانباً وإعلاء المصلحة الوطنية على ما عداها. وتصرّ، في الوقت نفسه، على ضرورة تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن، على أن تكون قادرة على القيام بالإصلاحات المطلوبة منها، ونيل الثقة من قبل المجتمع العربي والدولي للحصول على القروض والمساعدات الخارجية لإنقاذ الوضع الإقتصادي والمالي المتردّي. كما تدعو الى ضرورة التقريب في وجهات النظر للخروج بتشكيلة حكومية قادرة على إنقاذ البلاد من الإنهيار.

أمّا الموقف الأميركي فيبقى نفسه وهو تفضيل عدم وجود ممثلين عن حزب الله في أي حكومة مقبلة. فيما التشكيلة الحكومية التي قدّمها الحريري تضمّ ممثّلين عن الحزب، ولهذا لا يتمّ دعمها لا من الولايات المتحدة الأميركية ولا من السعودية. ويجري بالتالي رمي العقدة عند رئيس الجمهورية والثلث المعطّل، مع العلم، بأنّ اتفاق أي فريقين في الحكومة من شأنه أن يُعطّل أي قرارات لا ترضيهما. هذا وينتظر لبنان وصول المنسّقة الخاصّة الجديدة للأمم المتحدة في لبنان التي ستخلف يان كوبيتش قريباً، والتي سيُطلب منها أن تنطلق بمهامها سريعاً وأوّلها حثّ المسؤولين اللبنانيين على ضرورة تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن.

وتقول المصادر بأنّ أي من هذه الدول لم يُقدّم أي اقتراح جديد، أو حلّ للخروج من هذه الأزمة، سوى محاولة من فرنسا عبر السفيرة الفرنسية آن غريو التي استفسرت من رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب إذا كان بإمكانه تفعيل حكومته المستقيلة. وقد أجابها بعدم إمكانية ذلك كون الأطراف السياسية التي دعمته لتشكيل حكومته عادت وفشّلت عملها. كما أنّ دياب يرفض تعويم حكومته التي ستُطالب بعقد الجلسات وبإقرار موازنة العام 2021. فيما الأرقام التي تتضمّنها أصبحت خاطئة وغير دقيقة كونها تحتسب الدولار الأميركي على الألف وخمسمئة ليرة لبنانية، كما أنّها لا تحمل بالتالي أي رؤية واضحة.

من هنا، فإنّ خيار تعويم حكومة دياب لإيجاد مسؤول سياسي قادر على التعاطي مع دول الخارج التي هي بحاجة الى جهة رسمية تتكلّم معها وتثق بها، يبدو أنّه قُطع أمام الحلول مكان الحكومة الجديدة، على ما لفتت المصادر نفسها، ما سيدفع المسؤولين المعنيين الى التفتيش عن خيارات أخرى. وأكّدت بأنّ الرئيس عون سيستكمل الحركة ومحاولاته مع السفراء وممثلي الدول الفاعلة في لبنان للبحث عن مخرج للأزمة السياسية إذ من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الوضع الإقتصادي والمالي والإجتماعي والمعيشي في البلاد.

وفيما يتعلّق بالتشكيلة المقدّمة من قبل الحريري، فقد أظهرت، على ما أوضحت المصادر، أنّها تضمّ بعض الإختصاصيين لكنّ أي منهم ليس من المستقلّين الفعليين الذين كان يُطالب بهم الشعب لتغيير الطبقة السياسية الحاكمة، بل إنّ بعضهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، وزير الإتصالات المطروح فادي سماحة الذي هو موظّف في شركة «أرامكو» ومقرّب جدّاً من الحريري. وهذا يدلّ على أنّ تشكيلته تعجيزية كونها لا تتوافق مع العنوان العريض التي يصفها به الحريري أي «حكومة من الإختصاصيين المستقلّين».

أمّا الإتهامات المتبادلة بين عون والحريري بهدف رمي كرة نار تعطيل تشكيل الحكومة على الآخر، فلا جدوى من أن تستمرّ، كونها تودي بالبلاد الى الإنهيار الشامل. وهذا ما تخشاه الأطراف الداخلية والدول الخارجية كذلك، لا سيما بعد فشل كلّ الوساطات من قبل الأطراف السياسية في الداخل، إن من قبل رئيس مجلس النوّاب برّي الى حزب الله الى رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط، ومدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم.

كذلك فإنّ مسألة عرقلة تأليف الحكومة الجديدة لكي لا تبقى وتستمرّ حتى ما بعد الإنتخابات النيابية والإستحقاق الرئاسي في العام المقبل، بعهدة أو سيطرة الحريري، على ما أوضحت المصادر، فهو أمر غير منطقي، لأنّ الدستور ينصّ على أنّه في حال شغور منصب رئيس الجمهورية في البلاد، فإنّ الحكومة مجتمعة وليس رئيسها بمفرده، تتولّى إدارة البلاد الى حين انتخاب الرئيس الجديد وتشكيل حكومة جديدة.