إن أهمية عامل الزمن في ظروف الأزمات والكوراث تصبح مضاعفة لأنها ترتّب أكلافا إضافية وتفوّت الفرص، بينما تزيد من الأعباء والتعقيدات. ولهذا كانت على الدوام، حيوية الاستجابة للتحديات مرتبطة بالبعد الزمني كمعيار، وليس فقط بمحتوى السياسات والخيارات الاقتصادية أو السياسية على السواء.

- أولا: إن من المسلّم به، نتيجة طبيعة النظام السياسي، أن أي معالجة للأزمة، تستدعي وجود حكومة كاملة القوام الدستوري، تجسّد إرادة وطنية مشتركة واسعة ما أمكن من حيث تمثيل أطرافها الطائفي والسياسي، وقادرة على التلاقي حول برنامج أو خطة عمل إنقاذية في أضعف الإيمان. ويعرف الواقع السياسي بجميع أطرافة مدى حراجة الظرف الذي تنتفي فيه هوامش الترف وهدر الزمن، التي كانت عادة أدمن عليها أطراف النظام اللبناني طوال أزماتهم السابقة. فالجميع يصرّح بأن الازمة استثنائية وغير عادية، وأن لا حلول جاهزة في الخارج أو الداخل، وأنه لا مفرّ من عمل مشترك بحثا عن الوصفات المناسبة لوقف الانهيار كحد أدنى، بجهد مشترك، تقوده حكومة واسعة التمثيل منبثقة دستوريا، تحظى باحتضان شعبي وتسطيع اتخاذ القرارات والخيارات المناسبة لوقف كارثة غير عادية.

يتساوى الأطراف بالعجز عن اجتراح المعجزات، وهم محكومون بالتلاقي لبلورة إرادة مشتركة حول مشروع إنقاذي، ولا أحد في حوزته وصفة سحرية، سواء في الخارج أو الداخل، في ظل الواقع الدولي والإقليمي الحافل بالتحدّيات والصراعات، والذي يعيش استقطابات متحوّلة أو متحرّكة، يغيب فيها كل ما كان تقليديا موضع رهان على إسعاف سريع سياسي أو اقتصادي أو مالي.

- ثانيا: في زمن الاستنزاف الشامل، الذي فاقمته جائحة كورونا، تضع الكارثة اللبنانيين أمام تحدي العمل معا، والتفكير معا في اجتراح الحلول وإبداع الخيارات الممكنة، لتخطّي الكارثة أو احتوائها على الأقل، والحدّ من أضرارها. ومن هنا تحذيرنا المتجدّد من التمادي في لعبة العبث السياسي وتمريك النقاط، بينما البلد يغرق في مستنقع خطير. فأولوية تحدي الإنقاذ الوطني وحماية اللبنانيين من كارثة شاملة تتقدم على أي همّ آخر، وبالتأكيد على جميع حسابات الحرتقة وعادات تسجيل النقاط والمواقف.

المهم اليوم، هو إدراك أن وقف هذه الكارثة مستحيل بدون عمل مشترك، وأن الحلول السحرية غير موجودة، ولا سيما في الخارج الدولي أو الإقليمي. فكل عمل إنقاذي يتطلّب جهودا وطنية كبيرة، وسعيا الى إبداع وابتكار خيارات جديدة في التعامل مع التحديات، وفي وضع تصوّر جديد لإعادة بناء البلد، ولترميم الاقتصاد الوطني. وهذا التهديد كسواه تاريخيا ينطوي على فرصة حقيقية. ومن العِبر على سبيل المثال، أن الانهيار ولّد وضعا جديدا لمصلحة تعزيز القطاعات المنتجة، أي الصناعة الزراعة، وهو بذلك بات مفتاحا لفرصة أكيدة تعزّز القدرة التنافسية للصادرات اللبنانية الصناعية والزراعية. وهذا ما يجب أن تتركّز عليه جهودٌ كبرى سياسية واقتصادية في سياق التعامل مع الكارثة والتماس سبل الخروج منها.

- ثالثا: إن القوى اللبنانية تعيش اليوم في سكرة لحس المبرد ولغو السجالات غير المجدية، وهي تهدر الزمن، فترفع الكلفة على البلد  في انتظارٍ لا جدوى منه. إن للزمن ثمنا، وهذه عبرة التجارب. والتعجيل بالحلول يتطلّب إرادة مشتركة لاختصار المسافة الى مبادرات، تطلق الحلول، وتحرّك ورشة وطنية شاملة، سوف تحتاج الى جهود الجميع بدون استثناء، ودون الاعتماد على أيّ رهان أو دعم خارجي. فالتفكير الجديد، الذي يجب أن يعتمده اللبنانيون بعد كل هذه التجارب المريرة، وبعد الكارثة الكبرى، يستدعي المبادرة بأقصى سرعة ممكنة، لإحداث تغييرات شاملة وبنيوية في الاقتصاد الوطني، بما يستجيب للتحدّيات والتحوّلات. لقد سقطت الأوهام والرهانات، التي شغلت العقل السياسي في حلقة إدمان الاعتماد على الخارج. وبات التحدي الراهن هو كيفية الاعتماد على القدرات الوطنية والإبداعات الوطنية، لبناء إرادة مشتركة قادرة على خوض التحدي التاريخي، بالانتقال من ريعية تابعة الى اقتصاد منتج مسيّج بشراكات جديدة ومجدية إقليميا ودولياً.

إن الانهيار الاقتصادي والمالي الكبير، الذي حلّ بلبنان، هو فرصة حقيقية لنهضة شاملة، ولبناء قوة اقتصادية صاعدة، تمتلك ميزات تنافسية، تؤهلها لانتزاع مكانة مميزة في المنطقة والعالم، وهي تؤسس بالتالي لنهضة لن تحصل بين ليلة وضحاها، بل هي تتطلّب المثابرة والجهد والعمل المكثّف في جميع المجالات العلمية والاقتصادية، لاستثمار المزايا التفاضلية الباقية لبلدنا رغم الانهيار. وهذه ورشة وطنية تستدعي جهدا كبيرا، لا يمكن لطرف بمفرده أن يحقق مستلزماته دون شركاء الوطن. ولذلك نداؤنا هو الدعوة الى تفكير جديد، ينهي عهود المماحكة وتسجيل النقاط، وينهض بالتحدي الحقيقي، الذي يطال جميع اللبنانيين.