في متابعة مستمرة لملف التنظيم المدني، تقوم «الديار» اليوم بإماطة اللثام عن الباب المتعلق بالمساحات الخضراء والساحات والحدائق العامة في الجزء الثالث من هذا الملّف.

وفق قانون التنظيم المدني الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم ٦٩ تاريخ ٩ أيلول ١٩٨٣ وإعادة تنظيم وتحديد ملاك المديرية العامة للتنظيم المدني الصادر بموجب المرسوم رقم ١٠٤٩٠ تاريخ ٢١ حزيران ١٩٩٧، تقوم دائرة تصاميم التنظيم المدني التابعة لمديرية التنظيم المدني بوضع دراسات وتصاميم وأنظمة التنظيم المدني التوجيهية والتفصيلية للمدن والقرى، وتحديد الاراضي اللازمة للابنية العامة الادارية والثقافية والمدرسية الاستشفائية والحدائق العامة والملاعب والمساحات الخضراء، ودراسة السير وتوسيع المساحات العامة. وتقوم دائرة التخطيط بدرس ووضع التخطيطات التفصيلية لمخططات وتصاميم التنظيم المدني المصدقة ودرس ووضع التخطيطات الفرعية وتعديلها وتقويمها وتوسيعها والاشارة الى الساحات وأماكن الوقوف. وتتولى دائرة الطرق والمباني في مصلحة المشاريع البلدية مسؤولية وضع الدراسات الخاصة بالحدائق العامة والملاعب والمدافن وغيرها. كما تتولى دائرة البرامج والتنسيق مهام اقتراح المناطق الخضراء أو ذات المناظر الطبيعية أو الاحياء القديمة أو الابنية التاريخية التي يتوجب حمايتها والمحافظة عليها والقيام بالدارسات اللازمة لذلك فضلا عن مهمة التنسيق مع مختلف الادارات والمؤسسات العامة وجميع الجهات المختصة التي تعنى بشؤون البيئة والصحة والسلامة والزراعة والصناعة والاسكان والآثار عند إعداد الدراسات والاسس الاولية للتصاميم والمخططات العامة لمختلف المناطق.

في المادة ٨ من قانون التنظيم المدني، ورد أنه يمكن للتصاميم التوجيهية ان تتضمن «حدود وتنظيم الساحات والحدائق العامة والملاعب الرياضية والجنائن والفسحات الحرة المختلفة وما يجب الابقاء عليه من أماكن مشجرة أو تعديله أو إنشاؤه والمواقع التي يجب الاحتفاظ بها للابنية والمصالح العامة والانشاءات التي تقتضيها الحياة الاجتماعية».

القوانين لحظت أهمية الساحات العامة، فماذا عن الواقع والتطبيق وما هو دور التنظيم المدني؟

إذاً، لحظت القوانين أهمية المساحات العامة في المدن خصوصاً وأن مجال الهندسة بات يراعي بشكل كبير الجانبين البيئي أولا والإنساني والإجتماعي ثانيا، ويوليه أهمية قصوى لناحية زيادة المساحات الخضراء وتنظيم استعمالها وإيجاد السبل والعلمية للحد من التلوث، ولناحية تعزيز العلاقات الإنسانية ومبادئ التضامن والتكافل بين السكان.

الساحات العامة في البلدات والحدائق العامة في المدن هي مقياس لتقدم ورقي المجتمعات في العديد من الدول بحيث يتم تقييم المدن من مدى الاهتمام بهذه المساحات، ولها من الأهمية بمكان، لا يمكن التغاضي عن إخفاق الدولة والبلديات في اعطائها ما تستحق من الإنتباه وضروريات التنفيذ.

فماذا عن واقع الساحات والحدائق في لبنان؟ ومن هو المسؤول عن إعادة احيائها خصوصاً وأنه لم يعد أمام اللبناني خيارات كثيرة للتنفيس عن نفسه، مع كون معظم أماكن الترفيه أملاك خاصة يستوجب الدخول إليها درجات متقدمة من الترف المادي الذي لم يعد موجود تقريباً مع تدهور أكثر من نصف اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر؟

للغاية، قامت «الديار» بالإتصال برئيس جمعية «نحن»، السيد محمد أيوب، كون الجمعية قامت سابقاً بإطلاق وتنفيذ أبحاث ودراسات ميدانية وإجتماعية تسلط الضوء على أبرز الاشكاليات التي شكلها الغياب شبه الكامل للساحات العامة.

يرى السيد أيوب أنه وفق القانون البلدي، على البلديات أن تضع المخططات التوجيهية بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني، ولكن كون البلديات في لبنان تفتقد إلى القدرات الفنية الكافية من مهندسين، أوكلت المهمة إلى التنظيم المدني الذي تتقاطع مهامه أساساً مع مجلس الانماء والاعمار، وفي حل حدوث خلاف ما بين البلدية والمديرية حول المخططات التوجيهية المحلية، يتحول الأمر إلى مجلس الوزراء للبت به بموجب مرسوم وزاري.

هذه المخططات تقسم البلدات والمدن إلى مناطق مختلفة سكنية وغير سكنية، بالإضافة إلى الطرقات والأرصفة والمساحات العامة والشواطئ. حسب القانون البلدي، في حل ثبوت المنفعة العامة لأي مشروع منوي تطبيقه (حديقة عامة مثلا) وكان وفق المخطط موجود على إحدى الأملاك الخاصة، يحق للمجلس البلدي أن يتخذ قرار بوضع اليد على هذه الأرض إما بالتراضي أو الاستملاك وتقوم هيئة مختصة بتخمين قيمتها وتعويض صاحبها بشكل عادل، وبالتالي، نعم يمكن للبلديات أن تحث بإتجاه إنشاء و ايلاء اهتمام أكبر بالمساحات العامة وفق القانون والصلاحيات الموكلة إليها.

البلديات تخالف مرسوم مجلس الوزراء، التنظيم المدني يهمل دوره في الضغط، ومجلسي الوزراء والنواب غير ابهين!

يكمل السيد أيوب شارحاً المهمة الأساسية للتنظيم المدني المتمثلة بالتنفيذ الهندسي لمقررات مجلس الوزراء الذي أقر مرسوم «الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية» بهدف حماية الموارد الطبيعية وتنظيم وترتيب كافة المناطق، ولكن وفق دراسة قمنا بها كجمعية، تبين أن معظم سياسات العمل المتبعة من قبل المديرية العامة للتنظيم المدني تتسبب بمخالفة هذا المرسوم بدل من تطبيقه. فبعد صدور هذا المرسوم، لم تقم البلديات بتجديد المخططات التي لديها بناء عليه وبالتالي هي ما زالت تعمل على نسخة منتهية ومخالفة في مقابل صمت وإهمال من التنظيم المدني بعدم الضغط عليها لتحديث هذه المخططات.

ومن ناحية أخرى لا بد من الإشارة إلى الضعف التقني في ظل شبه غياب تم للمهندسين لدى بعض البلديات الأسباب مادية، كما أن البعد الأخر مستفيد من بقاء الأمور كما هو الحال عليه دون إجراء أي تحديث.

يختم السيد أيوب بشرح أبرز المشاريع الحالية لجمعية «نحن» قائلاً: «نحن في جمعية «نحن» نقوم الأن بلعب دور مجموعة ضاغطة من خلال دراسة الشاطئ اللبناني من الشمال إلى الجنوب، وقد اتخذنا منطقتين اساسيتين في خلدة وميناء طرابلس للدراسات المكثفة بهدف إقتراح مخطط توجيهي محلي لناحية الشاطئ وارتباطه بالمدينة، ونعوّل على المواطنين أيضاً في العمل معنا لحماية مناطقهم وثرواتهم الطبيعية والبيئة المحيطة بهم كون المخططات التوجيهية لحظت كل هذه التفاصيل الحياتية أيضاً».

بإختصار، نحن في خضم دوامة لامتناهية من الإهمال والتقصير تبدأ من الخرق الفاضح لهذا المرسوم من قبل البلديات، ومن ثم يأتي دور المديرية العامة للتنظيم المدني التي تساهم في هذا الأمر بصمتها المطبق وبعدم الضغط نحو التنفيذ، وبعد ذلك هناك مجلس الوزراء الذي لا يقوم بمتابعة تنفيذ المراسيم الصادرة عنه، وأخيرا المجلس النيابي لا يراقب أو يسأل الحكومة عن التقصير الذي ترتكبه!

(يتبع)