لو تسنى للرئيس رفيق الحريري أن يترك وصية لأبنائه، ماذا كان يمكن أن يقول فيها؟ اياكم وهذه المحرقة...

الأب، كظاهرة استثنائية في مسار الرئاسة الثالثة، كان يعتقد أن المعادلة السورية ـ السعودية باقية الى الأبد. بالرغم من ذلك وضع عند مدخل السراي الحكومي لوحة رخامية كتب عليها «لو دامت لغيرك لما وصلت اليك».

انتهى كما ينتهي أبطال الميتولوجيا الاغريقية. «ذاك اليوم الذي سقطت فيه قطعة من الجحيم على رؤوس اللبنانيين»، كما كتب الانكليزي ديفيد هيرست.

بكل تحفظ نستعيد قول غابرييل غارسيا ماركيز، لدى تقديم كتابه «خريف البطريرك»، ساسة أميركا اللاتينية، في شبقهم الى السلطة، أقرب ما يكونون الى الذباب الذي يعلق في طبق الحلوى». الموت في طبق الحلوى.

ربما كان البعد التراجيدي (البعد الاغريقي) في شخصية سعد الحريري أنه لم يكن من اختار الدخول في المحرقة. اصبع الملك التي لا تختلف، في أي حال، عن أصابع القضاء والقدر، قالت «ليكن هذا»، فكان...

أين هي الاصبع الملكية الآن؟ قيل لنا ان مشهد ذلك اليوم الأسود (14 شباط 2005) يتراءى للابن في هذه الأيام. لعله يتساءل، مع النشاط الاستثنائي لبعض أجهزة الاستخبارات على الأرض اللبنانية، أي من هذه الأجهزة يعدّ لاغتياله، لكي ينزلق لبنان الى السيناريو الآخر الذي وضعه من يخشون احتمال حصول اختراق دراماتيكي في العلاقات بين واشنطن وطهران.

عند هذا المفترق، من الطبيعي أن يساوره هاجس الاغتيال، وان كان هناك من يسعى لاغتياله بطرق أخرى بعدما نقل عن مستشار لبهاء الحريري سؤاله عن التكلفة المالية لاحداث انقلاب في القاعدة الشعبية لشقيقه. أمثلة لا تحصى، في التاريخ، عن انقلاب الشقيق على الشقيق...

هو الذي يعلم أن المال العصب الرئيسي (وحتى العصب الفلسفي) للسياسة في لبنان. من البديهي أن يعلم. لولا المال، هل كان يمكن للأب أن يتصدر المشهد السياسي وهو الطارئ على نادي رؤساء الحكومات، وان كان يعكس في شخصيته الكثير من التقاطعات الجيوسياسية بين القوى الاقليمية، وربما الدولية، بالمال اشترى الكثير من الرؤوس، ومن العباءات، ومن اللحى. المال الذي تحول الى كورونا قاتلة...

أزمة سعد الحريري (أزمة البقاء واللابقاء) أن اصبع صاحب السمو ابتعدت كثيراً عنه . كل الوساطات، وكل التوسلات، لم تأت بنتيجة. هل حقاً ما يتردد وراء الضوء حول ردة فعل البلاط على زيارة الرئيس المكلف لتركيا «ماذا يفعل هذا (...) هناك؟».

خشيته اذا ما شكل الحكومة، دون التغطية الملكية، أن تنقضّ عليه الأشباح التي تنتظر دورها حتى داخل جدران بيت الوسط. على غرار «غودو»، في مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة، ينتظر فوق أوجاع بني قومه. اذا ما سقط التكليف من يده أسقط في يده أيضاً، وبات تائهاً بين رياح اسطنبول ورياح الرياض.

حفاظاً على عنقه، يطبق على أعناقنا. هكذا الدوران السيزيفي حول الذات. لم يعد مجدياً الضغط بقطع الطرقات لأن ذلك يعني قطع كل الطرقات على عودته الى السراي. العودة بحكومة مهمة لا بحكومة كاريكاتورية كتلك التي سربها الى الاعلام للتأكيد على «عبقرية الاختيار». تالياً «عبقرية جهنم»!

حين يكون وزير الخارجية (يامولانا غوار الطوشي) وزيراً للزراعة أيضاً. وحين يعين ديبلوماسي مخضرم وزيراً للتنمية الادارية، ويعين من يحمل ماجستير في الادارة، وديبلوم في الاصلاح الاداري وزيرا للخارجية. حكومة الأزلام وحكومة مديري الشركات والموظفين.

اصغ الى وصية أبيك التي لم يتسنّ له أن يكتبها، وابتعد الى أي مكان عن المحرقة. يا دولة الرئيس الذي ندرك أي جحيم تعيشه الآن، لم يعد الموت في طبق الحلوى. الموت في طبق فارغ...