1 ـ لا يقل الحقد عن العمالة نذالة وعمى قلب وبلاء . والا، فما معنى ان ترتفع، من بين سخام اللئام، أصوات تفح، تبخ سمومها، محتجة على اوكسيجين يأتينا من الشام؟ بلى، الحقد أشد بلاء من الجهل، الحقد ثقافة شوهاء.

2 ـ من البلاهة التي تلامس حد الجريمة ترميم مبنى توالت عليه الزلازل، فزعزعت اساساته.... لقد اثبتت الوقائع ان «اتفاق الطائف» ما كان الا ترميما لخراب. جدران ما تبقى من هيكل هذا النظام وما حوله من اوخام صائرة، في غد قريب، الى انهيار. فهل نتعظ، لمرة، من ان البناء على الركام هو كالبناء على الرمال؟

3ـ ليس، في السياسة، ما هو أشد مقتا وكراهية، من منظر رجل دين، ما عرف عنه أنه استصلح، في حقوله، ارضا بورا، الا انه يطل على الناس متخاشعا، تارة، ليتهادى، تارة اخرى مثل قيصر، يتباهى بأنه يتعاطى السياسة، لا حبا بها، بل لان الساسة مقصرون او قاصرون.

4 ـ المؤامرة لا تقوم على ارادة أجنبية فقط، بل لا بد لهذه الارادة، كي تسلك سبيلها الى أهدافها، من ان تتحالف، في الداخل، مع الذل والفساد والاحقاد.

«معكم بتبقى الحياة....»

في خضم أزمتنا المظلمة والظالمة، ثمة مساحات ضوء يرتاح فيها المتعبون، وقد اعياهم غدر الأيام وجَور الحكام، يشدّون عليهم الخناق حتى الإختناق.

تعتبر رابطة كاريتاس، العاملة في لبنان منذ 1972، والمتمددة بأقاليمها الخمسة والثلاثين على كامل مساحته، واحدة من واحات الرجاء الباقية، يسترجع فيها المواطن صفاء محبة بعيدة عن الشروط والمحاصصات، ويستقرأ في «إدارتها» للمحبة أمانة وصدقاً وشفافية ودقة اين منها اداراتنا الحكوميّة...

درجت كاريتاس على اطلاق حملتها السنويّة زمن الصوم، وفي هذا السياق صدر مؤخراً كتابها «كاريتاس ولبنان 2020» ليغطي سنة هي الأقسى - حتى الآن - في تاريخنا المعاصر، فيشهد مع الناس لمآسيهم ومعاناتهم، المستجدة والمزمنة، ويؤكد أن للمساعدة مردوداً يتخطى الاطر المادية ليبلغ علاقة المحتاج بالجماعة، والتفاعل المثمر بينهما، والالتزام بقيم باتت على شفير الزوال.

صفحات هذ ا الكتاب ابعد من تقرير يتضمن عرضاً لمنجزات أو جردة لحسابات، انما شهادة لحضور كاريتاس مع الناس في أشد ازماتهم ايلاماً، تجابه معهم على كل الجبهات، وتعمل ما بوسعها على احلال شيء من العدالة الإجتماعيّة في غياب فاضح لنظم الرعاية والعناية التي يحتاج اليها المواطنون اليوم أكثر من أي يوم مضى.

في الكتاب قراءة علميّة وعمليّة لواقع اللبنانيين الحالي، وعرض لمجالات التدخل الذي يتيح للمنظمات الطوعيّة ككاريتاس ان تساهم في اعادة بعض التوازن الى حياة الانسان، الفردية والمجتمعيّة، عن طريق مبادرات بناءة، آنيّة ومستدامة.

كان على كاريتاس مقاربة كل المآسي التي ضربت اللبنانيين خلال السنة، ابتداء من تفشي الكورونا ـ وباء العام والعالم ـ وانعكاساته على كل مفاصل الحياة، حتى انفجار 4 آب الكارثي، مروراً بالازمات المختلفة التي لا تزال تستبد بالوطن ومواطنيه.

***

حاولت كاريتاس تعزيز شبكة الأمان الإجتماعي وتمكين المحتاجين من النهوض وتلمس طريق الحياة الكريمة، وقد اورد كتابها احصاءات وارقاماً يستوقفنا بعضها:

1-ان ما انفق أثر انفجار 4 آب حتى آخر 2020 يبلغ / /5.216.180// د.أ.، توزعت على مساعدات غذائيّة وطبيّة ونقدية لإعادة تأهيل البيوت ودعم المشردين، وان ثمة مبلغاً مماثلاً باقياً لمواجهة طوارىء هذا العام.

2-ان الخدمات الصحية التي وفرتها كاريتاس من خلال مراكزها الطبيّة الثابتة والجوالة، ناهز الأربعة ملايين دولار، اضيف اليها مبلغ 275 ألفاً للمساهمة في التصدي لجائحة كورونا وتعزيز الإرشاد والوقاية.

3- ان الأولويات التي فرضها الواقع الوبائي والإنفجار المشؤوم لم تحجب عن نشاط الرابطة اياً من التزاماتها السابقة كالبرامج الإجتماعيّة (الفقراء، العجزة، الحالات الخاص) وخدمة الأجانب واللاجئين وصيانة حقوق المستضعفين، والبرامج التربوية، ومساعدة ذوي الحاجات الصعبة من خلال مراكز كاريتاس المتخصصة، والمتواجدة في اربع مناطق.

4- وما يلفت في عمل كاريتاس تخصيص جزء من موازنتها للشق الانمائي الذي يتمثل في تمويل أو اقراض جمعيات او افراد، وفي قيام تحالفات مع بلديات ومؤسسات لتحقيق مشاريع انمائيّة في مختلف المناطق، ولهذه المؤشرات دلالات هدفها ترسيخ المرء في ارضه فتؤمن له البيئة الصالحة والامكانات المؤاتيّة للعمل والانتاج، فالدعم لا يقتصر على الاغاثة وعمل الرحمة بل يطمح الى خلق الفرص وتحفيز الطاقات وتشجيع المبادرات من أجل تنميّة شاملة، متكاملة، تحصّن المجتمعات والأفراد وتعوّض جزءا من الغياب الرسمي السافر لسياسة الانماء في شتى قطاعاته، ولا سيما الحرفيّة والزارعيّة التي تمد الأرياف بشرايين الحياة وساكنيها بمقومات الصمود.

لقد بلغت نفقات كاريتاس لبنان للسنة المنقضية ما مجموعه 29.825.643 مليون دولار أميركي، موزعة على مختلف برامجها المعلنة، وهي مبالغ وفرتها وكالات ومنظمات من كل القارات، اضافة الى مساهمات رمزية من افراد لبنانيين وثق جميعهم بكاريتاس نظراً إلى شفافيّة ارقامها، ووضوح برامجها، ودقّة عملها ومجانيّة خدماتها...

***

ولئن كانت كاريتاس جهاز الكنيسة المعتمد للعمل الإجتماعي الا انها لا تحتكر هذه المهمة دون سواها، فالحصاد كثير والحقل مفتوح للزارعين في اي وقت ومن اي اتجاه يأتون....

صحيح ان المنظمات غير الحكوميّة هي ديناميّة هذه الألفيّة وحيويتها واحدى ميزاتها، وانها اطار العمل الأمثل للمتطوعين والناشطين في المجتمعات المدنية، ولكن الصحيح ايضاً أن لا معنى جوهرياً لأي من المشاريع، ولا قيمة حقيقية للسياسات والاستراتيجيات ان لم يكن الانسان محورها، والحياة الكريمة هدفها، والتجرد سمتها، والتوازن المجتمعي ضمان بقائها وتألقها.... أوليس هذا ما يكتنزه شعار حملة كاريتاس لبنان لهذا العام: «معكم بتبقى الحياة»؟

د. أنطوان سعد

محام وأستاذ جامعي