الخطر الإسرائيلي يستهدف البلوكات 8 و9 و10 ويُعرقل عمل شركة «توتال» ويمنع الشركات من التقدّم للاستثمار

عدم تعديل المرسوم يُفقد لبنان حقّه بالقانون الدولي في المطالبة بحقوقه في منطقة النزاع.. فيما التعديل يقوّي موقفه


لم تُستأنف المفاوضات غير المباشرة على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي بعد مرور أربعة أشهر و12 يوماً على تعليقها في 11 تشرين الثاني من العام الفائت... وكانت هذه المفاوضات قد بدأت في 14 تشرين الأول وعقدت خمس جولات في مقرّ قيادة «اليونيفيل» في الناقورة جنوب لبنان، برعاية الأمم المتحدة وفي حضور الوسيط الأميركي السفير جون ديروشر... وقد شارك في جلستها الإفتتاحية مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، قبل أن تتوقّف عند «عدم قدرة العدو الاسرائيلي على الاستيلاء على حقوق لبنان الشرعية في حقوله النفطية». وحتى بعد تسلّم الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأميركية وقيامه بالتعيينات الجديدة في الإدارة الأميركية، لم تقم الإدارة الأميركية بإثارة هذا الموضوع، وإذا ما كانت ستُبقي على وسيطها نفسه أم ستُسمّي شخصية أخرى... غير أنّ باحثين وخبراء قانونيين وعسكريين وأكاديميين ما زالوا يُطالبون الحكومة اليوم بضرورة تعديل المرسوم 6433 المتعلّق بالإحداثيات البحرية وإرساله على وجه السرعة الى الأمم المتحدة، وخصوصاً أنّ العدو الإسرائيلي بات على قاب قوسين من بدء شركة «إينرجين» اليونانية بالتعاون مع شركة «تيكنيب أف. أم. سي» الفرنسية، بشفط الغاز والنفط في المنطقة موضوع النزاع. كما أنّه لا يحقّ للبنان المطالبة بحقوقه في تلك المنطقة إذا لم يُرسل التعديل المقترح من قيادة الجيش للمرسوم 6433.

فلماذا المطلوب من لبنان اليوم الإسراع في تعديل المرسوم 6433 وإرساله فوراً الى الأمم المتحدة قبل استئناف المفاوضات غير المباشرة على ترسيم الحدود، رغم أنّ البعض يجد في التعديل «إضعافاً لموقف لبنان في هذه المفاوضات»، بعد ان كان موقفاً ثابتاً وقويّاً خلال المفاوضات الأخيرة... يقول الأستاذ الجامعي والباحث في قضايا المياه والحدود الدكتور عصام خليفة انّ «تعديل المرسوم المذكور على العكس تماماً يقوّي موقف الوفد اللبناني الذي يقوم بالمفاوضات مع الوفد الإسرائيلي، ويحفظ للبنان حقوقه في ثروته النفطية في المنطقة المتنازع عليها والتي تُقدّر بمئات مليارات الدولارات ضمن كامل حدودنا البحرية التي ترتكز على القوانين والأعراف الدولية».

وأكّد أنّ أسباباً عديدة تكمن وراء المطالبة بتعديل المرسوم 6433 وإرساله فوراً الى الأمم المتحدة، أبرزها:

1- أ- وجود خطأ فادح في إحداثيات الخطّ الحدودي البحري مع الكيان الإسرائيلي في المرسوم 6433 يعود الى عدم الإنطلاق من نقطة رأس الناقورة المثبتة في اتفاقية ترسيم الحدود «بوليه- نيو كومب»، في 7 آذار 1923 بين لبنان وفلسطين. وقد تمّ تكريس هذا التثبيت في شباط 1924 في محضر في عصبة الأمم. وقد أُعيد تكريس هذا الخط في اتفاقية الهدنة بين إسرائيل ولبنان في المادة الخامسة- الفقرة 1 في 23 آذار 1949. وتمّ تجديد تثبيت خط الحدود بين 5 و15 كانون الأول 1949 بين إسرائيل ولبنان في حضور الأمم المتحدة مع توقيع محضر من قبل ممثّل لبنان الكابتن اسكندر غانم، وممثّل إسرائيل الكابتن فريد لاندا.

ب- إعتبار صخرة «تخليت» (طولها 40 متراً وعرضها 7 أمتار) «جزيرة»، مع العلم أنّ المادة 121 من الفقرة 3 من قانون البحار المقرّ عام 1988 تعتبر أنّ الجزيرة هي المسكونة من البشر أو القابلة للسكن من البشر. و«تخليت» لا ينطبق عليها هذا الشرط.

ج- عدم الاستناد الى تقرير المؤسسة البريطانية «إيكو» المختصّة بالترسيم البحري والمكلّفة من قبل الحكومة اللبنانية، وهي التي اعتبرت أنّ خط حدودنا البحرية الجنوبية ينطلق من رأس الناقورة وصولاً الى النقطة 29 وليس الى النقطة 1 أو النقطة 23.

2- في الإحداثيات التي أرسلها الكيان الإسرائيلي الى خط حدوده البحرية الشماليّة ركّز على النقطة 1 وانطلق من 30 متراً من شمال رأس الناقورة.

3- نصّت المادة 3 من المرسوم 6433 (2011) على أنّه «يُمكن مراجعة حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة وتحسينها، وبالتالي تعديل لوائح إحداثياتها عند توافر بيانات أكثر دقّة ووفقاً للحاجة في ضوء المفاوضات مع دول الجوار المعنيّة».

4- تنصّ المادة 157 من وثيقة الأمانة العامّة للأمم المتحدة للعام 1999 على ما يأتي: «يُمكن لأي دولة أن تسحب وثيقة عائدة لها تمّ إيداعها من جانب واحد لدى الأمين العام للأمم المتحدة».

5- إنّ شركة «إينرجين» اليونانية ستبدأ بشفط الغاز والنفط أواخر الربيع الحالي بالتعاون مع شركة فرنسية تُدعى «تيكنيب أف. أم.سي». وسيتمّ في هذه الأثناء، وضع منصّة بحريّة في المنطقة موضوع النزاع. وإذا لم يُرسل لبنان تعديلاً للمرسوم والإحداثيات الجديدة للنقطة 29، فلا يحقّ له في القانون الدولي أن يُطالب بحقوقه في تلك المنطقة، بينما يحصل العكس إذا أرسل التعديل المقترح من قيادة الجيش.

6- إنّ خطر الكيان الإسرائيلي لا يقتصر على جنوب الخط 23 بل سيُشكّل خطراً على البلوكات الحدودية اللبنانية 8 و9 و10.

7- ستقوم إسرائيل بعرقلة عمل شركة «توتال» الفرنسية التي وقّعت عقداً مع الدولة اللبنانية لاستخراج الغاز والنفط من البلوك 9. فضلاً عن منع باقي شركات النفط مستقبلاً من التقدّم للإستثمار والعمل في البلوك 8 الحدودي المحاذي للبلوك 9.

8- في حال تمّ تعديل المرسوم 6433 فإنّ هذا الأمر سوف يُجبر الوفد الإسرائيلي على العودة سريعاً الى المفاوضات وبدء التفاوض على مساحة 2290 كلم2. وبالتالي سوف يحصل لبنان على حقوقه من حقول الغاز والنفط التي تقع جنوب النقطة 23.

وأكّد أنّ الحكومة اللبنانية سبق وأن أخطات مرّات عديدة، أولاً عندما قامت بترسيم الحدود البحرية مع قبرص في العام 2007 من النقطة 1، ومن ثمّ في العام 2009 عندما وضعت تقريراً عيّنت بموجبه إحداثيات الحدود البحريّة الشمالية مع سوريا والجنوبية مع العدو الإسرائيلي، وقد تمّ إيداعه بتاريخ 12/7/2011 لدى الأمين العام للأمم المتحدة. وبعد ذلك عندما صرفت الأموال على المكتب الهيدروغرافي البريطاني «إيكو» لتعيين الحدود البحريّة مع العدو الإسرائيلي، وقد صدرت مسودة هذا التقرير بتاريخ 17/8/2011 الذي اقترح النقطة 29، لكنّها لم تأخذ به. ومن ثمّ في العام 2013، عندما وضع العقيد الركن البحري مازن بصبوص دراسته التي بيّن فيها أنّ للبنان مساحات مائية إضافية جنوب الخط المُعلن بموجب المرسوم 6433، تُقدّر بنحو 1400 كلم2، إستناداً الى دراسة «إيكو»، واقترح تعديل المرسوم المذكور من خلال رسائل بعث بها الى المسؤولين منذ ذلك التاريخ. فضلاً عن أنّ الجيش اللبناني اقترح أيضاً ضرورة تعديل المرسوم 6433 بعد قيام مصلحة هيدروغرافيا في المؤسسة العسكرية بمسح دقيق للشاطىء خصوصاً في منطقة الناقورة، مستخدمة الأجهزة الحديثة، أدّى الى النتيجة نفسها.

وأوضح أنّ قيادة الجيش أحالت بتاريخ 9/3/2020 ملفاً كاملاً الى مجلس الوزراء مع الإقتراحات اللازمة التي تُعدّل المرسوم 6433، وقّعته وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا، إلاّ أنّ مجلس الوزراء لم يقم منذ ذلك التاريخ بإقرار التعديل من دون معرفة الأسباب. وفي 1/10/2020، أعلن لبنان «إتفاق الإطار» للتفاوض مركّزاً على القرار 1701 بشكل رئيسي، مع العلم أنّه كان يجب أن يرتكز في إطار التفاوض على اتفاقية بوليه- نيو كومب وعلى اتفاقية الهدنة 1949 (المادة 5)، وما تلاها من اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل حصل بين 5 و15 كانون الأول، وكذلك القرار 425.

وعمّا إذا كان بإمكان حكومة تصريف الأعمال الحالية تعديل هذا المرسوم، أوضح الدكتور خليفة أنّ المطلوب اليوم من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ومن رئيس الحكومة ومن الوزراء المعنيين التوقيع على مرسوم جوّال يُعدّل المرسوم 6433، ومن ثمّ إصداره بصورة إستثنائية، بسبب استقالة الحكومة، من قبل رئيس الجمهورية، وإبلاغ الأمم المتحدة به. وحذّر من أنّ أي تأخير في إصدار هذا المرسوم سوف يُجبر الوفد اللبناني على معاودة التفاوض على مساحة الـ 860 كلم2، وبالتالي إشراك العدو الإسرائيلي بحقول النفط والغاز اللبنانية في البلوكات الحدودية 8 و9 و10، ما يعني خسارة لبنان. وأشار الى أنّ التأخير في هذا الموضوع، من شأنه أن يفقد القانونية في حال باشر الكيان الإسرائيلي عمليات استخراج النفط والغاز من حقل «كاريش» الواقع نصفه ضمن المياه اللبنانية وفقاً للخط الجديد الذي أعدّه الجيش اللبناني وطلب الرئيس عون التفاوض على أساسه. وقال إنّ موقف لبنان سيكون ضعيفاً جدّاً عندئذ من ناحية القانون الدولي، ما يجعل العدو الإسرائيلي يفرض أمراً واقعاً عليه وهو البدء في استخراج النفط والغاز خلال الأشهر المقبلة.