هنا النسخة الصينية من صفقة القرن، بعدما تعثرت، وربما ووريت الثرى، النسخة الأميركية من الصفقة...

وهؤلاء هم الايرانيون الذين يطرحون نظامهم الثيوقراطي كنظام طوباوي (ولا طوباوية في زمننا أو في أي زمن آخر) كم تراهم بارعون في اللعب داخل المعادلات، وداخل التناقضات، الدولية والاقليمية البالغة التعقيد!

   400مليار دولار على مدى 25 عاما. في العقل العربي ليس بالرقم الأسطوري. على مدى عقود طويلة من العائدات النفطية الهائلة ما زلنا خارج الزمن الصناعي، كما خارج الزمن التكنولوجي. مضارب قبلية، باحلال الزجاج محل وبر الابل، وتحميها الأساطيل.

عند الايرانيين يمكن لهذا المبلغ  أن يحوّل دولتهم الى دولة صناعية كبرى ليس فقط على مستوى المنطقة، وانما على المستوى العالمي، مع  ما لذلك من انعكاسات مثيرة على دورها الجيوسياسي، ودورها الجيوستراتيجي.

صدمة في الدوائر السياسية، والاعلامية، الأميركية، وبالأخص الوكالات الاستخباراتية التي كانت تستبعد عقد الصفقة لاعتقادها أن ايران تخشى من ردة الفعل الأميركية الى حد الامتناع عن اتخاذ أي خطوة في اتجاه العودة الى الاتفاق النووي، وتكثيف العقوبات الاقتصادية، ناهيك بلاءات صقور المحافظين الذين يرون أن الاتفاقية تعني وضع ايران بين فكي التنين.

المعلقون في الصحف الأميركية الكبرى حملوا على السياسات البهلوانية لدونالد ترامب، كونها وضعت الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة داخل دائرة الخطر حين خرجت من اتفاق فيينا، وتركت القنوات مفتوحة على مصراعيها بين بكين وطهران، مراعاة للدولة العبرية ولبعض الدول العربية.

في رأي هؤلاء أن المصالح الحيوية لبلادهم كانت تقتضي المضي في المسار الديبلوماسي مع ايران كي تبقى هذه بمنأى عن الاغراءات الصينية، بالتداعيات الدراماتيكية، والتي لا بد أن تؤثر في توازنات القوة في الشرق الأقصى. بطبيعة الحال في الشرق الأوسط.

حدث ما حدث. انها رقصة التانغو مع التنين. بعد انقضاء نحو شهرين من بدء الولاية لا تزال ادارة جو بايدن تطلق المواقف الضبابية والملتبسة، ظناً منها أن ذلك يمكن أن يستدرج ايران التي لا تؤمن البتة بديبلوماسية «الغموض الخلاق» الى ردهة المفاوضات.

هذا في حين كانت المواقف الايرانية قاطعة. كل شيء يبدأ برفع العقوبات، دون البحث لا في المشاريع الباليستية ولا في الوجود الجيوسياسي من ضفاف البحر الأحمر الى ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

للمرة الأولى تستعيض الصين عن سياسات التسلل، تحت جنح الظلام، الى دول محورية في أرجاء الكرة الأرضية، بالقاء الضوء على توقيع الاتفاقية العملاقة، والتي تعقبها اتفاقات أخرى مع ايران.

الصين التي تعاملت، حتى الآن، مع «الضربات» الأميركية بالقفازات الحريرية التي اشتهرت بها عبر القرون، أعلنت أنها ستدافع عن مصالحها المشروعة مع ايران.

الترجمة العملانية لدى واشنطن أن الغواصات قد ترافق ناقلات النفط من مضيق هرمز الى موانئ الصين التي أعلنت أيضاً، مع ما لذلك من دلالات قانونية ودلالات سياسية، أنها ستبذل قصارى جهدها لحماية الاتفاق النووي الذي أقره مجلس الأمن الدولي.  

جو بايدن قال ان الصين تسعى لتكون القوة العالمية الأولى. « وهذا لن يحصل في عهدي». «النيويورك تايمز» تساءلت ما اذا كانت السياسات الكلاسيكية، أو السياسات البطيئة، يمكن أن يكون لها أي أثر.

سؤالنا : بعد ربع قرن من الآن، أين سيكون الايرانيون وأين سيكون العرب ؟ حائك السجاد الذي اشتهر بطول الأناة لا يريد اقفال الباب مع أميركا التي يمكن أن تعطيه الكثير خشية ذهابه أكثر في الخيار الصيني.

العرب من فراغ الى فراغ. دائماً ثمة أقدام غريبة، وأدمغة غريبة، هي التي تملأ الفراغ...