بيروت أصبحت بلا روح والأجيال القادمة قد لا تعرف لبنان كما عرفناه

في ختام ملف التنظيم المدني، سوف نتطرق إلى باب الإرث الثقافي اللبناني المتبقي والمتمثل بالابنية والأماكن الثقافية والتراثية، خصوصاً وأن القانون رقم ٣٧/٢٠٠٨ الصادر في ١٦ تشرين الاول ٢٠٠٨ الآيل الى حماية الممتلكات الثقافية، شّكل مدخلا أساسيا لحماية الاماكن والمواقع ذات الطابع الثقافي واستمرارية النشاطات فيها من قبل الافراد والمجموعات الناشطة في هذا المجال.

 لبنان وقّع على اتفاقية حماية الإرث الثقافي غير المادي، فعلام تنصّ؟ 

اقرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أول اتفاقية تهدف إلى حماية التراث الثقافي عام ١٩٧٢ وإنضم إليها لبنان بموجب القانون رقم ٨٢/٣٠ الصادر في 14 أيلول ١٩٨٢.

في أواخر العام ٢٠٠٣ انعقد المؤتمر العام لمنظمة اليونيسكو لمناقشة الصك الدولي الثاني الذي يعنى بحماية التراث الثقافي، لا سيما التراث الثقافي غير المادي، والتدابير الآيلة إلى صونه، واقر بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٠٣ اتفاقية بشأن صون التراث الثقافي غير المادي التي صدق عليها لبنان في ٨ كانون الثاني ٢٠٠٧.

يقصد بعبارة «التراث الثقافي غير المادي» الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية والتي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحياناً الأفراد جزء من تراثهم الثقافي. بالتالي وفق هذه الاتفاقيات، فإن لبنان ملزم باتخاذ التدابير اللازمة لصون التراث غير المادي والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وابرازه ونقله.

تشمل الممتلكات الثقافية الأشياء التي سبق تسجيلها أو تصنيفها أو الإعتراف بها، كما تشمل الممتلكات غير المنقولة أي الاماكن والمواقع الاثرية، أو التاريخية، أو العلمية، والمنشآت والمعالم والصروح والمباني أو أجزاء المباني ذات القيمة التراثية، أو التاريخية، أو العلمية، أو الجمالية، أو المعمارية، أو الرمزية، سواء كانت دينية أو مدنية.

فهل الممتلكات الثقافية والارث التاريخي في لبنان مصان؟ ماذا تفعل الدولة في مواجهة الحداثة والمد العمراني والعشوائية في تطبيق بنود الاتفاقيات الدولية؟ هل تلعب المديرية العامة للتنظيم المدني الدور اللازم في حماية هذا الإرث؟ وما هو سبب الإهتمام العالمي الكبير في المحافظة على هكذا نوع من الإرث الثقافي الغير مادي؟

 العشوائية في ترتيب المدن والقرى أمر قديم: أربع خطط لمدينة بيروت لم تحرك ساكناً 

للغاية، قامت «الديار» بالإتصال بالأُستاذ الجامعي المتخصص في الفوتوغرافيا التراثية السيد إِدِي شويري لاستسقاء الاجابات الشافية منه، خصوصاً وأنه من الأشخاص الذين عملوا بكد للحفاظ على تراث مهدد بالزوال عبر إصدار عدة عشرات كتب عن التراث اللبناني كهوية وطنية وتحديداً عن التراث المعماري الغني ذات المخزون الكبير.

إعتبر شويري أن إلتزام لبنان بالإتفاقية كان نسبي وإختلف من وزير إلى أخر، وأن العشوائية في ترتيب المدن والقرى في لبنان أمر قديم بدأ منذ أن حاول الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى ترتيب وسط بيروت عام ١٩٢٦ مع المهندس كميل دورافورد الذي وضع خطة على خمس سنوات كان أبرز ما انجزته هو ساحة النجمة فيما يعرف بالوسط التجاري اليوم. عام ١٩٣٢ قام الأخوين الفرنسييين دانجر، بوضع خطة أخرى تتضمن الكثير من البنود ولكن لم يتمكنوا سوى من تطبيق الجزئية المتعلقة بالتنظيف، وختاماً عام ١٩٤٣ تم وضع المخطط التنظيمي «إيكوشار» الذي سُمي بذلك نسبةً للضابط في الجيش الفرنسي ميشيل إيكوشار، ولكن كما باقي الخطط اصطدمت جميعها بالبيروقراطية كأولى العوائق التي منعت من تنفيذ هذه الخطط حتى رغم ادارتها من قبل الفرنسيين. بالإضافة إلى ذلك تم وضع خطة من قبل المهندس في الجامعة الأمريكية في بيروت فريدريش راجت أخرى بعد إجتياح عام ١٩٨٢، حيث قام بجمع عدد كبير من المهندسين والتقوا مع وزير الثقافة آنذاك لإعادة اعمار بيروت بطريقة تراعي الترتيب والجمالية، ولكن لم يتم تنفيذها أيضاً.

 ما بين فوضى نهضة بيروت وفوضى حربها اندثرت الهوية الثقافية 


بعد الإستقلال عاش لبنان ما يعرف بالعصر الذهبي حتى العام ١٩٧٥، حيث ازدهرت السياحة ونشطت الحركة الإقتصادية مما أدى إلى تزايد الطلب على العمران السريع وبناء مباني كبيرة وفنادق لتتسع للسائحين. في تلك الفترة تم الإلتزام بالأساسيات فقط دون مراعاة باقي الامور بسبب غياب مخطط تنظيمي للمدينة ليتم الإنطلاق منه، وأهمل التنظيم المدني لناحية الجمالية والمحافظة على الأنماط العمرانية والهندسية التي كانت سائدة ومنحصرة في ثلاثة أنماط رئيسية (أرت ديكو - أرت نوفو - العثماني الجديد).

الطامة الكبرى بنظر شويري كانت في فترة الحرب التي شهدها لبنان، حيث أدى غياب الدولة وفوضى السلاح إلى إنتشار العمران العشوائي غير المنظم وغير الملتزم بأدنى الأساسيات المرعية للتنظيم المدني. بعد إنتهاء الحرب، تحول لبنان إلى بلد كما أي بلد أخر شبه فارغ من هوية ثقافية واضحة تعكس التراث اللبناني الحقيقي أو الصورة الحقيقية للبيت اللبناني، رغم قابلية إدخال هذا الإرث في المباني الجديدة والشاهقة.

مرة أخرى: لا تنظيم مدني والابراج تنتشر بين المنازل التاريخية طامسة جماليتها 

وفي مثال صارخ عن الغياب التام للتنظيم المدني، يروي شويري عن عدم تمكن أحد متضرري إنفجار مرفأ بيروت من إضافة القرميد إلى سطح منزله عند قيامه بعمليات الترميم في شارع مار ميخائيل بسبب منع القوة الأمنية التام لهذا الأمر، بينما وعلى النقيض من ذلك تمكن احدهم من الاستحصال على رخصة وقام ببناء برج شاهق في أخر شارع متبقي من العهد العثماني في الاشرفيه والذي يتضمن قصور آل سرسق، ما بين قصري ابراهيم سرسق و ليندا سرسق دون مراعاة جمالية المشهد أو تناسق النمط العمراني!

يجزم شويري أن التنظيم المدني في لبنان نسبي وأن عدم التمكن من تنفيذ الخطط الموجودة أساساً منذ عشرينيات القرن الماضي ما زال سيد الموقف، وانه علينا وضع خطة طويلة الأمد وتنفيذها على مراحل لأن ما يواجهه التنظيم المدني في لبنان هو نسبي واستنسابي ولا يراعي أي شروط أو أي خطة موضوعة. ففي باريس مثلاً يتوجب على أي مواطن يريد أن يقوم بتغيير أو تجديد لون منزله من الخارج أن يتقدم بداية بطلب للبلدية وبعدها تقوم بدراسته لإقرار الموافقة عليه من عدمها آخذة بعين الإعتبار اللون ومدى تناسقه وتناغمه مع المحيط!

 عدد الابنية المصنفة أثرية إلى تضاؤل..والتوسع العامودي لا يراعي خصوصية محيطه 

أما عن دور المديرية العامة للتنظيم المدني، يعبر شويري عن اسفه لتضاؤل عدد المنازل المصنفة على أنها تراثية يوماً بعد يوم في سجلات المديرية نفسها التي أوجدت حل غريب بالإبقاء على واجهة هذه المنازل فقط والسماح بتغيير الجهات الثلاث المتبقية وحتى السماح بالبناء فوق الواجهة.

وعن مشكلة أخرى في لبنان، ذكر روبير صليبا في كتابه «بيروت، هندسات معمارية» عن مدى ضيق مدينة بيروت وانحسارها بين الجبل والبحر. بالتالي يشكل الأمر تحدياً بين إيجاد أماكن أكثر مع المحافظة على التراث من ناحية، ومن ناحية أخرى وجب الموازنة بين الأبراج العالية وعرض الطرقات المحيطة بها، أي بمعنى أخر لا يجب أن يسمح التنظيم المدني ببناء أبراج في منطقة الاشرفيه مثلاً مع عرض طريق لا يتجاوز الأربعة أمتار مما سوف يسبب إزدحام لا بد منه!

ختاماً يعتبر السيد شويري أن ارثنا الثقافي هو هويتنا التي لا بد من المحافظة عليها كي لا نفقد هذه القيمة المضافة التي اعطانا اياها تنوع الحضارات التي مرت على لبنان على مدى السنين، خصوصاً وأن التراث المعماري هو تعبير عن نمط العيش والتفكير وباختفائها نخسر ما يميزنا وبالتالي نحرم الأجيال القادمة من معرفة وجه لبنان الحقيقي ونحجب عنهم حقبة طويلة جداً من الإرث الثقافي الغير مادي الغني والذي يعتبر مدعاة فخر.

قلنا في ملف التنظيم المدني الكثير، بينّا النصوص القانونية وعكسنا صورة عن الواقع المخالف، أشرنا بالإصبع على المقصرين والمهملين، وحاولنا الإضاءة على أهمية هذا الملف من جوانب عدة إجتماعية، بيئية، ثقافية، وتراثية. حاولنا أن نضيء على حقوق باتت في مهب النسيان والاهمال، سعينا لأن نرمي الحجة على الدولة علها تحرك ساكناً، ولكن! لاحظنا خلال الأجزاء المتعددة إجماع المهندسين وذوي الخبرات على إنتفاء وجود تنظيم مدني من الأساس في لبنان، وفي نفس الوقت عندما تمكنا من التواصل مع المدير العام للمديرية العامة للتنظيم المدني نفى أن يكون للمديرية أي سلطة أو قوة بإتجاه الضغط لردع المخالفات! وفي مكان آخر تضاربت صلاحيات التدخل بين وزارتي الداخلية والأشغال، بينما تقاطع وتشابه عمل المديرية العامة للتنظيم المدني مع مجلس الإنماء والاعمار حد التماثل!

بالله عليكم عن أي قوانين نتحدث وليس هناك من إتفاق شامل على مهمات وحدود صلاحية كل جهة من الجهات المعنية في هذا الملف؟ ألسنا بحاجة إلى إزالة كافة المديريات والجهات الرسمية التي لا تعمل وتشكل عبء مادي على خزينة الدولة فقط؟! أم أنه من الحري أكثر أن يتم الضغط لتفعيل دور وصلاحيات هذه الجهات كي تتمكن من إحداث فرق ملموس وتعمل من أجل الحجر والبشر؟!