وكأنّ قدر لبنان أنّ يتلقّى الجلدات الواحدة تلوى الأخرى، هو ذاك البلد الذي كثرت فيه الطعنات والخيانات... وكم من «يهُوذا» فيه!

يعيشُ اللبنانيّون أسبوع الآلام بحزن وأسى فائق هذا العام، فالروح مُرهقة، والنّفوس حزينة يائسة وللكنيسة بصمة حاضرة على درب الألم حيث يعتبر الأب عبدو أبو كسم رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام في حديث خاصللديار أنّ الشعب اللّبناني كالمسيح، يحمل صليب الوجع، المرض، الجوع، القلق على المصير والإهمال. فيعيش أزمات كبيرة باتت تفوق قدرته على استيعابها، فهذه قمّة الإنهيار والتعاسة حيث يدفع اللّبناني ثمن أخطاء كلّ مسؤول من موقع تحمّله مسؤوليته، لا دواء، لا طعام، لا حليب للأطفال ولا قدرة على تأمين أبسط مستلزمات العيش بكرامة.

وعن الدور الّذي تلعبه الكنيسة في هذه الأزمة تجاه التخفيف عن كاهل المواطن أجاب:

«الكنيسة ليست دولة! الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن شعبها!ومع الإنهيار الحاصل اليوم، الكنيسة حاضرة أكثر من أيّ وقت مضى من خلال مساعدة المحتاجين إلى أبعد الحدود عبر مؤسّساتها الإجتماعية والإنسانية منها «كاريتاس» و البعثة الباباوية» و»سوليداريتي» و»جمعية مار منصور» وغيرها من المؤسّسات التي تدور في فلك الكنيسةالتي تعمل على تأمين المستلزمات الرئيسيّة كالطبابة والمأكل بالتنسيق مع الرعايا والأبرشيات في هذا الظرف فوق الإستثنائي الّذي تمرّ به البلاد».

وعمّا إذا كان باستطاعة الكنيسة الضغط على المسؤولين من أجل إيجاد حلّ جذريّ ينشل لبنان من مآزقه قال:»يختلط المفهوم عند البعض، فالكنيسة لا تتعاطى الشّأن السّياسي، هي تهتمّ بالشّأن الوطنيّ، ولها حسابات وطنيّة، تَستَمِع إلى وجع ومطالب النّاس وتَعمَل على طرح بعض الحلول مثل المبادرتين الّلتين أطلقهما غبطة البطريرك بشارة الراعي فالأولى تدعو إلى الحياد الإيجابيّ فيما تتمثّل الثانية بالدعوة إلى مؤتمر دوليّ من أجل لبنان انطلاقاً من الثوابت الوطنيّة والمحافظة على الدستور والكيان اللّبناني والسيْر في طريق الإنقاذ».

يُوجّهُ الأب أبو كسم عبر «الديار» رسالتين، فللسياسيين يقول: «أتمنّى في هذا الأسبوع أن تشعروا بالألم الّذي يُعاني منه الشعب الّلبناني المصلوب على صليب الوطن من ثلاثين عاماً وأكثر، اسمحوا للشعب أن يرتاح حكّموا ضمائركم واتّقوا اللّه في شعب لبنان المظلوم، المصدوم، الجائع والمتألّم خوفاً علينا من أن نصبح دون هوية ودون وطن!».

وتوجّه للشعب اللّبنانيّ قائلاً:»اعْمَلوا على تقوية إيمانكم، اصمدوا، تساندوا. لبنان بلدٌ لا يموت لأنّه أرض القدّيسين، أرض الشّعب الّذي دفع دماءً كي يبقى الوطن، فالمطلوب الصّمود لتخطّي الأزمات كي نصل إلى القيامة».

في سياق متّصل، وبحسب آخر الإحصاءات التي نشرتها مجلّة «الوطنية للمعلومات» فإنّ نسبة البطالة ارتفعت الى ما فوق ال 60 في المائة لفئة الشباب بعد أن كانت بحدود 50% قبل ثورة 17 تشرين أغلبيتهم من المسيحيين الّذين تضاءل عددهم في الآونة الأخيرة في لبنان.

فيؤكّد الشّاب الّلبناني «جوزف» البالغ من العمر ثلاثة وثلاثون عاماً أنّه كما الأغلبية من أبناء جيله، يبحث عن القيامة خارج لبنان فيقول:»لبنان لم يَعُد الملجأ الآمن، نبحث عن صناعة المستقبل والكرامة خارجه فمن يتحمّل مسؤولية انهيارنا هم زعماء الدّولة من جهة، الّذين تربّعوا على عروش القرار منذ أعوام خلت حتّى اليوم ولم يَعتَرفوا بذنوب لا تُغتَفر قد اقترفوها بحقّ لبنان واللّبنانيين، ومن جهة أخرى الكنيسة التي لم تَقُم بالواجب المطلوب منها كي تضع حدّاً لهجرة الشباب اللّبناني مع العلم بأنه كان باستطاعة القيّمين على الكنيسة خلق فرص عمل للشباب المسيحي في مجالات عدّة، في قطاع الزراعة على سبيل المثال بحيث أنّ الكنيسة تمتلك نسبة كبيرة من الأراضي اللّبنانية (الأوقاف)».

وأضاف «جوزيف» : «نبحث عن الهجرة والسفر هرباً من الظروف الصّعبة التي نرزح تحتها، نرى أنفسنا نلتجئ الى دول تحفظ كرامة الإنسان وتُقَدِّر الأدمغة والثروات الفكرية»، ليختم ويقول:» نحن نرفع اسم لبنان في الأعالي، في الوقت الّذي يُواظِب المسؤولون فيه على غرز رؤوسنا في التّراب لتنمو كرامتنا يابسة لا حياة فيها».

اعتاد إذاً اللّبنانيون على السّير مرّات عِدّة على درب الجلجلة الّتيفتحها لهم مسؤولون وزعماء كان قدأَمَّنَهُم الشعب على مصيره وكرامته، إلّا أنّهم خانوا الأمانة.

متى ستكون المرّة الأخيرة التي سيُصلَب بها الشّعب اللّبنانيّ يوم جمعة ليعود ويَغلِب الموت في اليوم الثالث؟