نسمع كلّ يوم تساؤلات الناس عن الليرة اللبنانيّة، ويُتحِفنا بعض السياسيّين وخبراء «التنظير» الاقتصاديّ بآرائهم عن وضع الليرة اللبنانيّة، ونعيها والاستهزاء بها. علمًا أنّ هذه المراجع نفسها كانت تُمعن في السابق في طمأنة الناس وتتباهى بهذه العملة وقيمتها الصامدة. نعم عملة وهميّة وطنيّة لوطنٍ يسعى أن يكون بيتَ المواطن اللبنانيّ، وهذا الشعب المسكين ينتظر اليوم مرّةً أُخرى معجزاتٍ منشودة من الصندوق الدوليّ، ورسملة المصارف، وغيرها من الخزعبلات التي لا نعرف إذا كانت ستجدي نفعاً.

وفي هذا السياق، تقول البروفسورة ندى الملاح البستانيّ لـ «الديار»: «ندخل اليوم مرحلة شبه الإنهيار، وبالرغم من ذلك، نرى تدهور سعر الصرف وكأنّه مدروسٌ و«مُدَوزن» وليس عائمًا كما يُفتَرض أن يحدث في حالات الإنهيار عامّةً. فما الذي يضع حاليًّا سقفًا وهميًّا لسعر الليرة اللبنانيّة في ضوء جميع المعطيات التي تبرهن أنّها لم تَعُد تساوي قيمة الورقة المطبوعة عليها في السوق الثانويّة»؟

فضلاً عن أن تقديرات الكتلة النقديّة في السوق المتعارف عليها بـ «M4») كتلة السيولة النقديّة المجملة في السوق) هي حوالى الـ 240 ألف مليار ليرة لبنانيّة، وفي المقابل يُصرّح مصرف لبنان أنّ احتياطاته الإلزاميّة هي حوالى الـ 16 مليار دولار أميركيّ، واحتياطي الذهب لديه يقدر بحوالى الـ 17 مليار دولار أميركيّ إلى هذه اللحظة. فنظريًّا نجد أنّ سعر صرف الليرة هو قيمة الكتلة النقديّة بالليرة مقسومًا على مجمل احتياطات مصرف لبنان فنصل إلى سعر حوالى 7300 ليرة للدولار الأميركيّ الواحد.

ولكن، كيف نتجرّأ اليوم أن نسأل أنفسنا عن وضع الليرة في حين أنّ التركيز هو على الثلث المُعَطِّل ووزارة الداخليّة والعدل؟ وفي الوقت نفسه تعمل مكنات طبع الليرات الورقيّة على إسكات عوز جنديٍّ هنا وموظّفٍ هناك، أو حتّى تُنجد لأجلٍ قصير عمليّة استيراد بعض المستلزمات الحيويّة كالفيول وغيره.

وبالعودة إلى الحديث مع البرفسورة البستاني تقول: «إنّ هذا السعر هو أيضًا نظريٌّ لأنّ احتياطات مصرف لبنان، لو صدقت، فهي غير مُسَيّلة، ولا تستطيع التدخّل للَجم السوق الموازية. فالاحتياط النقديّ بالعملة الأجنبيّة لدى مصرف لبنان هو احتياط إلزاميّ، وهو ملك للمودعين ولا يحقّ لأيٍّ كان المساس به. أما بالنسبة للذهب فلغاية اليوم لا أحد يعرف مصيره الفعليّ، خصوصًا عندما يسود صمتٌ رهيب عند التباحث بهذا الموضوع».

عمليًّا، ليس هنالك قيمة فعليّة لليرة اللبنانيّة! ولكن كيف نُجيب على ما يحدث بشأن تقلّبات سعر الصرف في الآونة الأخيرة؟ الإجابة ببساطة هي بحسب البستاني «أنّ تلك المنصّات الإلكترونيّة هي بخدمة مصرف لبنان والمنظومة الحاكمة، لإعلان أسعار وهميّة لليرة اللبنانيّة، وفي المقابل يقوم مصرف لبنان بطبع المزيد من الليرات الورقيّة طمعًا بالدولارات المتبقيّة مع الناس في منازلهم وحاجتهم لعملتهم الوطنيّة بُغية تلبية احتياجاتهم اليوميّة مما يُبقي الطلب عليها مرتفعًا».

وها نحن نتفرّج على المسؤولين وهم يقومون بلعبتهم لامتصاص ما تبقّى من الدولارات المخبّأة مع المواطنين، خصوصًا وأنّ الدولار لم يعد متوافرًا لدى البنك المركزيّ إلا «بالقطّارة»، وهو فعليًّا ما تبقى من ودائع الأبرياء. إذا أكملنا على هذا المنوال لفترةٍ قصيرة، وبعد سحب الدولارات «من تحت المخدّات»، لن تكون الليرة اللبنانيّة مقبولة لأنّه لا قيمة لها بعد ذلك الوقت، وهنا تأتي الكارثة الأكبر، خصوصًا إذا لم يتدخّل المجتمع الدوليّ لإنقاذ ما تبقّى، ومصيرنا حتمًا سيكون أقسى من فنزويلا، ومالي، والصومال، وغيرها من البلدان غير «القويّة».

وتبقى الأسئلة عديدة: ما الّذي يمكن أن تقوم به هذه الليرة المسكينة لتواجه ضربات الدولار الأميركيّ الموجعة الآتية من شعب يتلهّف على دولارٍ طازج أو طلابيّ أو مصرفيّ لتسديد حاجاته وهو يقطع رأسه بنفسه؟ في المقابل يأتي مصرف لبنان ليمدّ يد العون للمواطن، فيستبدل ما تبقّى لديه من فُتات الدولارات، بأوراقٍ طازجة من الليرة اللبنانيّة، تلك الّتي توصِل التضخّم إلى مستويات لا يمكن حدّها.

وفي النهاية، نستطيع أن نجزم أنّه في حال أردنا عودة الليرة اللبنانيّة إلى الحياة... أي استعادة مستقبلنا ومستقبل أولادنا... فعلينا كشعب أن نجاهد لولادة دولة حقيقية تساهم بإعادة الثقة بلبنان واللبنانيّين، وإحداث عدّة أُسس اقتصاديّة سليمة، ومن ضمنها نظام مصرفيّ متعافي، تُعيد النموّ للنظام الاقتصاديّ ليبرز لبنان بإنتاجيّته وتصديره... حينها فقط تكون ليرته بألف وخمس مائة خير.