30% من المزارعين توقفّوا عن الإنتاج والأسعار نار!

لن يطل شهر رمضان هذا العام بطلته المعهودة مع جمعة العائلة والاصدقاء بل سيكون مختلفاً وعصيباً على العائلات اللبنانية على مختلف الأصعدة ولا سيما الاقتصادية منها التي ترخي بظلالها على تفاصيل حياتهم اليومية لتشمل طبق الإفطار الرئيسي المتمثل بالفتوش (السلطة الخاصة بالشهر الفضيل). فهذا الطبق الذي يعتبر من المقبلات الأساسية على المائدة ولطالما كان أرخصها لن يزيّن هذا العام كل موائد رمضان بعد ارتفاع أسعار أنواع الخضر بنسبة 210 في المائة، وفق دراسة قام بها «مرصد الأزمة» في الجامعة الأميركية في بيروت.

وقد أوضحت الدراسة في محاكاة استندت الى مؤشر تصدره وزارة الاقتصاد والتجارة في شهر رمضان من كل عام منذ 2012 ويتضمن أسعار 14 مادة تكوّن سلطة الفتوش، وما ستكون تكلفته في شهر رمضان هذا العام بناءً على أسعار المكونات في أواخر شهر آذار، أن ارتفاع المؤشر بلغ 210 في المائة هذا العام مقارنة مع العام الفائت الذي كان قد ارتفع بدوره 36 في المائة عن 2019.

وتقدر تكلفة تحضير الفتوش لعائلة صغيرة مؤلفة من خمسة أشخاص عند بداية شهر رمضان هذا العام نحو 18.500 ليرة مقارنة مع 6.000 ليرة في الـ2020 ونحو 4.500 ليرة في الـ2019.

ووفق الدراسة ستصل تكلفة الفتوش وحده لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد الى ما يقارب 555 ألف ليرة خلال شهر كامل، أي ما يوازي 82 في المائة من قيمة الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ 675 ألف ليرة، مشيرة إلى أن هذا الارتفاع الكبير سينعكس أيضاً على «تضخم أسعار السلع الأخرى التي عادة ما يستخدمها الصائمون في موائدهم الرمضانية. مما يعني أن أكثرية العائلات في لبنان ستعاني من تأمين السلع والمكونات الأساسية لموائدها خلال رمضان هذا العام. وبالتالي فإن «هذا الارتفاع الكبير في الأسعار سيدفع العائلات نحو التكيف السلبي مع هذا التضخم إما عبر تخفيض كميات الطعام أو الاعتماد على بدائل أرخص كالنشويات بدل الخضر واللحوم، وما سينتج من ذلك من سوء تغذية».

ولن تقتصر التأثيرات الجانبية السلبية على الشق الغذائي فحسب، بل ستشمل أيضاً جمعات العائلة والاصدقاء على الافطار والسحور، اذ انه مع هذا الارتفاع الجنوني في الاسعار لن تتمكن العائلة الصغيرة من تلبية حاجاتها الاساسية وبالتالي لم يعد بامكان العائلات أن يمدوا سفرة طويلة عريضة فيها ما لذ وطاب من المأكولات والحلويات. فكل عائلة تكفي ذاتها وتكاد!

ويعزو رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع، إبراهيم ترشيشي، ارتفاع أسعار الخضر إلى ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مستوى غير مسبوق وأسباب غير مباشرة مرتبطة بهذا الارتفاع، وهو ما انعكس على دورة الإنتاج، ويقدّر تكلفة «الفتوش» هذا العام بـ15 ألف ليرة. ويقول لـ«الديار»: «العام الماضي كان صحن الفتوش يكلّف حوالى 5 آلاف ليرة لكن حينذاك كان سعر صرف الدولار ما بين ألفين و2500 ليرة، بينما اليوم بات 13 ألفاً تقريباً، لكن الزيادة في صحن الفتوش كانت ثلاثة أضعاف وليس أكثر».

وفي حين يشير ترشيشي إلى أن هذا الوضع الاقتصادي أدى إلى توقف حوالى 30 في المائة من المزارعين عن الزراعة وباتوا عاطلين من العمل لعدم قدرتهم على تأمين الأموال اللازمة بعدما كانوا يستطيعون الحصول عليها بالدين أو عبر القروض، يلفت أيضاً إلى ارتفاع بعض التكاليف التي تدخل في إنتاج المزروعات على غرار إيجار الأراضي واليد العاملة وغيرها، إضافة إلى أنه في فصل الشتاء يتم استيراد عدد من الأنواع التي لا يمكن زراعتها في لبنان.

هذا ويؤكد ترشيشي لـ«الديار»: أن الأسعار يفترض أن تبدأ بالتراجع بدءاً من 25 نيسان المقبل، حيث تتوافر المزروعات المحلية بشكل أكبر في السوق اللبناني، رافضاً القول إن لجوء المزارعين إلى الاستيراد انعكس أيضاً على ارتفاع الأسعار، مؤكداً أنه لا يتم استيراد إلا الفائض من المزروعات.

في سياقٍ متصل تقول ربة عائلة مؤلفة من أربعة أشخاص لـ«الديار» عند إخبارها عن التكلفة المتوقعة لصحن الفتوش: «لا شكّ أن هذا الطبق الذي لطالما كنا نشتري له مختلف أنواع الخضر سيخضع للتقشف كما غيره من الأطباق، بحيث إننا سنكتفي بتحضيره من بعض الأنواع المتوافرة والأقل ثمناً والاستغناء عن أنواع أخرى»، وتضيف: «سياسة التقشف ستنطبق على كل مائدة رمضان وعلى رأسها اللحوم والدجاج التي لطالما كانت تشكل الأطباق الرئيسية في الإفطارات، علماً بأن هذا الأمر ليس جديداً ونحن كنا قد بدأنا بتقليصه والاعتماد على سياسة جديدة منذ مدة وهي لا شك ستكون أصعب في شهر رمضان».

وتذكّر هنا بحلويات هذا الشهر قائلة: «الأمر نفسه سينطبق على حلويات رمضان، حيث سأعمل على تحضيرها في المنزل ولن نشتريها جاهزة في محاولة للتوفير قدر الإمكان».

وكانت قد أطلقت حملات في لبنان في الأيام الماضية لمقاطعة الدجاج والبيض رفضاً لارتفاع أسعارها أضعافاً ولاحتكار التجار للمدعوم منها، والأمر نفسه بالنسبة إلى البطاطا التي ارتفع سعرها أيضاً أكثر من 60 في المائة، لكن من دون أن يؤثر ذلك عملياً نتيجة السياسات الخاطئة التي لا تزال الحكومة تتبعها في موازاة ارتفاع أسعار المواد الأولية من جهة، ولجوء التجار إلى تخزين المواد أو التلاعب بأسعارها.