يقول جوزف ستيغليتز، الأميركي الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد «، الآن، أقف، كما تقف الكرة الأرضية، عند مفترق. بعد الكورونا، وظهور الحاجة الى مسيح آخر لا الى يهوذا آخر. هل هي العودة الى ما قبل الزمن أم هو الدخول في...  ما بعد الزمن ؟».

في ثقافة العرب، لا مكان لنا في هذا السؤال. من قرون ونحن على قارعة الزمن. اساقفة الدنيا أقنعونا بأنهم الآلهة ما فوق الزمن. أساقفة الآخرة أقنعونا بأن زمننا في العالم الآخر.

في لبنان، وقد أعادتنا المنظومة السياسية الى ما قبل الكهرباء, والى ما قبل الماء، والى ما قبل الطرقات، وحتى الى ما قبل الكائن البشري. لا خيارات، ولا رؤى، حتى لادارة الأزمة. لا بل ان المنظومة اياها تبدو وقد تحولت الى متحف للشمع. متى كان لتماثيل الشمع أن تستشعر أنين الرعايا، وصراخ الرعايا ؟

نحن رعايا اللادولة، واللاقانون، مصيرنا، كأنصاف بشر، بين حجري الرحى في قصر بعبدا وبيت الوسط. لا رؤوس، لا آذان لاهل السلطة لكي يلتفتوا، ولكي يرحلوا، أمام ذهول رجال الدنيا الذين يسألون، وبالصوت العالي، الى أين انتم ذاهبون ببلدكم، وقد تحول الى نسخة بانورامية عن الجحيم ؟

على كل، ستيغليتز الذي تنبأ بالأزمة المالية التي زعزعت الأمبراطورية عام 2008، رأى أن المجتمعات الكبرى، مجتمعات ما بعد التكنولوجيا، أظهرت أننا لا نزال في زمن الدولة ـ القبيلة. معسكرات مقفلة، مقابر مقفلة، ليسأل ما اذا كانت البشرية قد اقتربت من الخراب الكبير...

صاحب «صدمات العولمة» الذي يرى أن الكورونا لم يظهر فقط مدى هشاشة المعتقدات، ومدى هشاشة الثقافات، أنما أظهر أيضاً مدى هشاشة الاستراتيجيات الكبرى، كما هشاشة العلاقات الانسانية «. كلنا اختبأنا في جحورنا، تماماً كما تختفي الأفاعي (أم الفئران؟) في مواسم الصقيع».

في نظره أن الاقتصاد العالمي سيكون أمام اختبارات أبوكاليبتية في العقد المقبل، وربما في العقود المقبلة. ثمة دول أوروبية مرشحة للانحلال بعدما تحول الدخان الأسود الذي كان ينبعث من المصانع كدلالة للازدهار، وحتى للتفوق، الى «لهاث أسود». التنين الذي على وشك أن يستنسخ المواشي، غزا كل الأسواق، بعيداً عن الرؤى الكلاسيكية للحضارة الغربية. لا انسان، ولا مثال، في الصين. فبركة هائلة لانتاج السلع...

أين هو كونفوشيوس في الوجدان الصيني ؟ حتى أميركا التي كان بنيامين فرنكلين يرى فيها «أرض الخلاص»، وبتلك الانجازات التكنولوجية التي كما لو أنها نتاج ميتولوجيات ما فوق البشرية، لم تتعامل مع الآخرين، بمن فيهم الآباء على الضفة الأخرى من الأطلسي، أكثر من كونهم نسخة بيضاء عن الهنود الحمر.

ستيغليتز الذي سبق ووصف دونالد ترامب برجل الأرصفة (أرصفة الغانيات)، عاد ليقول انه كان الأكثر تعبيراً عن أزمة القيم في أميركا (الأزمة القاتلة)، وحيث تلاشت القاعدة الفلسفية للأمبراطورية «. هذا ما قد ينبئ بأننا قادمون، للتو، على الانفجار الكبير. ربما الأفضل أن نستخدم المصطلح الرومانسي أو المصطلح التراجيدي الأكثر تداولاً ... الغروب الكبير».

لا يستبعد أبداً، و»التصدعات الجيولوجية» داخل المجتمع الأميركي تزداد حدة، أن يظهر «هتلر الأميركي»، ولكن بأرمادا نووية «قد تفاجئ الله بالقضاء على البشرية، دون أن تكون البنى اللوجيستية في السماء جاهزة لمثل تلك اللحظة!!».

هذا دون أن يكون الهروب الى المريخ  أو الى أي كوكب آخر وشيكاً. الصين التي خرج «كوفيد ـ19 « من أرضها لا بد أن يخرج منها «الفيروس» الأشد هولاً. منتجاتها تحطم غالبية المؤسسات الصناعية الغربية، ليتكدس العاطلون عن العمل كما في رواية جون شتاينبك الرائعة «عناقيد الغضب». «ذات يوم قد نتوسل الى الشيطان أن يقود العالم بدلاً من التنين».

ستغليتز «يعلم» أن الروس يتوجسون من الصينيين الذين يرون في سيبيريا ليس فقط «أرض الالدورادو»، وانما الطريق الى مضيق بيرنغ الذي يلامس الشواطئ الأميركية بعدما عبره العالمان الفلكيان الصينيان «هو» و»تسي» منذ 4640 عاما، ووصلا الى غواتيمالا. علماء الأنتروبولوجيا يعيدون أصل السكان الأصليين في أميركا الى القبائل الآسيوية.

هل يعني ذلك أن شي جينبنغ الذي يتبنى الخطط العسكرية، والاقتصادية، التي تتيح لبلاده أن تكون القوة الأولى على الأرض حتى قبل منتصف القرن، يتطلع نحو تحويل أميركا الى ضاحية صينية ؟ حتماً ليس المقصود بأن تكون ... ضاحية الصفيح.

ستيغليتز يذكّرنا بأن الصين بلاد الأساطير القديمة، والتكنولوجيات القديمة، لم تكن الصدفة اللغوية، أو اي صدفة أخرى، هي التي جعلت شعارها التنين. انها التنين فعلاً. «لا أدري الى أين تتدحرج بنا الكرة الأرضية»...

قي لبنان تدحرجنا الى القاع، وقضي الأمر. لا داعي للحيرة!