وأبلغتُ هيل أنّه أكثر من يستطيع إعطاءه تصوّراً عمّا آلت إليه مفاوضات الترسيم

«صحيح بأنّ المقاربة الأميركية للبنان ودول منطقة الشرق الأوسط تغيّرت من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، لكن لبنان لا يزال من ضمن اهتمامات الولايات المتحدة، ولا يزال الإستقرار من ضمن أهدافها، الى جانب دعم الجيش اللبناني الذي تعتبره أميركا جيشاً صديقاً لديها علاقة معه وثقة بكفاءاته وإنجازاته». هذا ما أكّده وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه خلال دردشة جمعته بالصحافيين المعتمدين في وزارة الخارجية بعد لقائه وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل في مكتبه الأربعاء قبل مغادرة الأخير منصبه بعد أسبوعين، الذي بحث معه في مواضيع مختلفة وأطلعه على المقاربة الأميركية الجديدة للبنان والمنطقة.

وكشف وهبه عمّا دار بينه وبين المبعوث الأميركي هيل الذي وصفه بالرجل الديبلوماسي المحترف والصديق للبنان، فيما يتعلّق بموضوع ترسيم الحدود البحرية والمفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي التي عُلّقت، فقال إنّ الحديث تطرّق الى ما معناه أنّه سيتكلّم به مع فخامة الرئيس ورئيس الحكومة، لأنّ موضوع المفاوضات مع العدو الإسرائيلي وُضعت بعهدة فخامة الرئيس منذ أن ترك الرئيس برّي «إتفاق الإطار» بين يديّ عون. وأبلغته أنّ أكثر شخص يستطيع أن يُعطيك تصوّراً الى ما آلت إليه المفاوضات هو فخامة الرئيس.

قيل له: ثمّة رأي يقول بأنّ ما صدر عن مكتب رئاسة الجمهورية فيما يتعلّق برمي تعديل المرسوم 6433 على مجلس الوزراء مجتمعاً، كان هدية لهيل قبل وصوله الى لبنان لتهدئة الأميركيين، ولبنان خائف من أن يضغطوا عليه لكي لا يقّر الخط 29، أجاب: «لا أتصوّر أنّ فخامة الرئيس يُقدّم هدايا من مصالح الوطن، بالعكس تماماً، لا هو شخصه ولا من موقعه الدستوري يستطيع أن يُقدّم هدايا لأيٍ كان من حقوق وطنية أبداً. أؤكّد أن لا هدايا».

وفيما يتعلّق بما اعتبره البعض أنّ خطوة الرئيس عون بعدم التوقيع على تعديل المرسوم 6433، وإحالته الى رئاسة مجلس الوزراء هو عملياً تطيير لهذا المرسوم بما أنّ الرئيس دياب مصرّ على عدم عقد جلسة، وما مصير هذا المرسوم في حال لم تُعقد جلسة إستثنائية في مجلس الوزراء، رأى الوزير وهبة الى أن لا جواب لديه بقدر ما هناك موقف قانوني دستوري (اتخذه الرئيس عون) إذ ينصّ المرسوم على «وبعد جلسة الوزراء»... ورئيس الجمهورية لا يُمكنه بطبيعة الحال، أن يتجاوز ما هو وارد في نصوص المرسوم. وأحياناً لا يجب أن نتوقّف على الشكل، وندخل في صلب الموضوع. ولكن إذا لم نتوقّف على الشكل وطُعن بالمرسوم وأُبطل، هل نكون حقّقنا نتيجة؟

ولكن هذا الوقت الضائع، قد يُصبح ذريعة ل ونحن لم نقبل به. كما أنّنا لم نقبل بالخط رقم 1، وقلنا آنذاك أنّ خطّ حدودنا هو 23. اليوم خبراء الجيش يقولون إنّ خطنا هو 29. هذا موضوع نقاش داخل المفاوضات.

سئل: ما هي رسالة هيل السياسية للبنان وماذ يحمل في أجندته لبنانياً، أجاب: «لم يُوجّه رسالة للبنان خلال لقائي به، ولكن طبعاً لقاؤه غداً (اليوم الخميس) مع فخامة الرئيس، ومع رئيس الحكومة دياب ومع الرئيس برّي (اليوم) تعطيكم فكرة أكثر عمّا يمكن أن يقوله لدى الرؤساء. ولكن مقاربته طبعاً أنّ لبنان لا يزال من اهتمامات الولايات المتحدة ولا يزال الإستقرار فيه من أهدافها، فضلاً عن دعم الجيش اللبناني. وقد شدّدت على هذا الموضوع، وكان مرحبّاً جدّاً به، وقال لي بأنّنا نعتبر الجيش اللبناني جيشاً صديقاً ولدينا علاقة وثقة بكفاءاته وبإنجازاته. وبالنسبة للإستقرار في الجنوب شدّد على ضرورة استمرار التعاون بين الجيش و»اليونيفيل»، وعلى تنفيذ القرار 1701، وطبعاً تأليف حكومة لبنانية لينتعش الإقتصاد اللبناني ولوضع برنامج إقتصادي على سكّة التعافي.

وهل تطرّق هيل الى موضوع تشكيل الحكومة وأعطى رأيه بها، أكّد أنّه لم يرد الخوض أبداً بنقاش له علاقة بتفاصيل الحكومة أو بالأوضاع الداخلية. كما أنّني لست الشخص المكلّف أساساً للبحث معه بالموضوع الحكومي، فهو يُبحث مع فخامة الرئيس والرئيس المكلّف. ولكن بالطبع هو مع تأليف حكومة. فكلّ السفراء والسلطات الأجنبية تقول لنا «قبل تأليف حكومة لا تنتظروا منّا لا مساعدات ولا دعم ولا موقف داعم للإقتصاد». ولفت الى أنّ الأميركيين يُشدّدون على ضرورة تأليف حكومة لينتعش الإقتصاد اللبناني ولوضع برنامج إقتصادي يقود البلاد الى سكّة التعافي، كما على استمرار التعاون بين الجيش و»اليونيفيل»، وعلى تنفيذ القرار 1701.

وردّاً على سؤال حول إذا ما تناول الحديث مع هيل العقوبات الأميركية، أو الدفع الأميركي للعقوبات الأوروبية على لبنان، قال وهبه: لا، ليس من دفع أميركي لأوروبا لفرض عقوبات. لم نبحث هذا الأمر. ولكن تحدّثت معه عن تفسيره لعقوبات «قانون قيصر» المفروض على سوريا، وأثرت معه مسألة أنّ لبنان لا يجوز أن يتحمّل نتائج عقوبات هو لا ذنب له فيها. فأجاب، بأنّ هذا القانون لا يطال لبنان.

وأضاف وهبه: «أوضح لي هيل مقاربة الإدارة الأميركية الجديدة لوضع لبنان ولأوضاع الشرق الأوسط. تكلّمنا عن أوضاع المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وعن الأوضاع المتوتّرة بين روسيا وأوكرانيا، وعن العقوبات المفروضة على سوريا من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وعن حلّ الدولتين بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، والعربي- الإسرائيلي. ثمّة مقاربة أميركية جديدة بعدما تغيّرت إدارة الرئيس ترامب، ونحن صرنا أقرب للفهم لإدارة الرئيس بايدن، وهذا الأمر لا يُزعجنا أبداً أن نستطيع مواكبة هذه الأفكار السياسية لإدارة بايدن بما يُحقّق مصلحتنا».

وفيما يتعلّق بالحديث عن «اليونيفيل»، سيما وأنّ الأميركيين لديهم همّ «حزب الله» واليونيفيل والحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلّة، أجاب: «هيل مع بقاء استمرار «اليونيفيل» وتفعيل دورها والإلتزام بالقرار 1701... وقد تمنّيت عليه أن يستمر التعاون العسكري بين «اليونيفيل» والجيش اللبناني بكلّ المحطات لكي لا يحدث أي إشكال يعترض «اليونيفيل» أو يكون بسبب عدم التعاون والتنسيق. وقلت إنّ وجود الجيش اللبناني الى جانب «اليونيفيل» ضروري جدّاً، لأنّه من صلب مهامها مساعدة الجيش اللبناني على بسط سلطته على الأراضي اللبنانية وليس العكس. فالسلطة للسيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية و»اليونيفيل» موجودة على الأراضي اللبنانية ومن صلب مهامها مساعدة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني على الإنتشار. التعاون مع الجيش ضروري جدّاً ويحلّ 90 % من المشاكل. أنا ذكّرته بهذا الموضوع. وهو قال لي نحن مع الإستقرار في الجنوب ومع استقرار «اليونيفيل» وقيامها بمهامها، وأكّد حرص إدارته على الإستقرار في لبنان».

وفيما يتعلّق بموضوع ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، قال وهبه، إنّ الحدود المتداخلة، وملف ترسيم الحدود سيستغرق وقتاً. فمنذ العام 2009 كان هناك لجنة لبنانية ألّفت لترسيم الحدود البريّة وضمّت أمين عام وزارة الخارجية وقضاة ومحافظ البقاع، ولا شيء يمنع من إعادة تفعيلها أو من تأليف لجان أخرى. وما استجدّ هي الحدود البحرية اللبنانية - السورية التي تستوجب منا البحث مع سوريا لترسيمها بدءاً من نقطة مصبّ النهر الكبير الجنوبي. وحدودنا البريّة مع سوريا مرسومة في عكّار يعني النهر الكبير الجنوبي هو الحدّ الفاصل، وهو نهر طبيعي دولي يفصل بين لبنان وسوريا. هذا النهر لن يتغيّر مجراه ولن يتغيّر مصبّه، أول نقطة مصبّه ينطلق منها ترسيم الحدود البحريّة باتجاه قبرص. وأكّد أنّنا لن ندع ملف الحدود البحرية للبنان تضيع. نحن نبحث جميع الملفات، وأمامنا ملف حدود لبنان البحرية وسنركّز عليه.

وعمّا إذا كان لمس من خلال لقائه هيل أو سواه من السفراء العرب والأجانب إنفراج ما على المستوى المحلي، لأن جزء كبير من الأزمة أساسه خارجي، قال: لا لم ألمس. الإنفراج بمعنى أنّ التواصل الديبلوماسي مع دول الخارج يُساعد على الإنفراج في الداخل أنا لا أرى أنّه يُساعد. يعطيني وجهة نظر الدول التي أستطيع الإستماع لها، لكن لا يمكنني القول كم من الممكن أن يُساعد ذلك في الإنفراج الداخلي. وقال بأنّ دول الخارج تُطالب بشروط محدّدة منا، ونحن أيضاً نطالب بالشروط نفسها. ما الذي يريده الشعب اللبناني؟ يريد تأليف حكومة، هل هناك أحد من الشعب اللبناني ضدّ تأليف الحكومة؟ والغرب يقول لنا «ألّفوا حكومة». المجتمع الدولي يقول إنّه يريد شريكاً. الحوار لا يتمّ عبر بلديات وجمعيات غير حكومية، بل عن طريق شركاء في الداخل. من هنا، فالمقاربة الديبلوماسية لا تُساعد على حلّ المشكلة في البلاد، بينما حلّ المشكلة هو بيدنا في الداخل، وأؤكّد أنّه أول ما نضع يدنا على الحلول، الخارج لا يستطيع أن يمنع عندها سياسيي لبنان من تأليف حكومة، حتى ولو لم يكن راضياً.

قيل له على السياسيين اللبنانيين التحرّر من الخارج، أجاب: «هذا يعني أنّ العقدة عنا وليست مفروضة علينا من الخارج. البعض منّا لديه مقاربة أنّه يأخذ رأي الخارج قبل أن يُقدم على عمل وطني يجب أن يفعله. يجب أن يكون لدينا شجاعة الحوار داخل لبنان، والوصول الى الحلّ الوطني. الحلّ الوطني، نحن علينا اتخاذه ولن يتخذه أحد عنا. تأليف الحكومة هو حلّ وطني».

هذا ويتوجّه الوزير وهبه اليوم الى اليونان للمشاركة في الاجتماع الثلاثي اللبناني - اليوناني- القبرصي لبحث مواضيع الأمن والإستقرار في شرق المتوسط، التعاون بين الدول الثلاث في مجال تبادل المعلومات الأمنية لا سيما حول النازحين واللاجئين. سيطرح لبنان خلال الإجتماع الثلاثي الموضوع الإقتصادي لا سيما وأنّ اليونان وقبرص يُشكّلان بوّابة للبنان إقتصادياً للإتحاد الأوروبي. كما سيطرح موضوع النفط والغاز معهما لأنّهما سبقتا لبنان في استخراج هاتين المادتين.