«الديار» تروي تفاصيل الحادثة الأليمة

بتنا في وطننا نمنّي النفس برغيف خبز طازج ونقف في طوابير الإنتظار علنا ننال نصيبنا من توزيع حصة غذائية، هي أقصى ما نتمنى في القرن الواحد والعشرين.

لا يخفى على أحد أن الأزمة الحالية هي كأرض خصبة لجذب التمويل للجمعيات ولفتح شهية الأحزاب السياسية على الإستثمار في الأزمة لمصالح إنتخابية بحتة ولا تمت للإنسانية بصلة.

كتب عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ تجربة البشر حول خمسة أنواع رئيسية من الغرائز، وهي: الجوع والجنس والنشاط والتفكير والإبداع. «هذه الغرائز، المُدرجة في قائمة بحسب درجة تزايد استخلاصها، تعمل على استنباط وتقييد السلوك البشري، ولكن في الوقت ذاته تترك مجالا للحرية في تنفيذها وخاصة عند تفاعلها. حتى الشعور بالجوع البسيط يمكن أن يؤدي إلى العديد من الاستجابات المختلفة»

إذاً فالبشر عندما يتشاركون غريزة الجوع فانهم قد يتجهون إلى إستجابة غير متوقعة ولعل أبرز مثال على ذلك هو ما شهدناه من اقتتال في محل السوبرماركت على البضائع المدعومة.

الأمور تختلف وتزداد حدة خطورة ردات فعل الجموع عندما يصبح الأمر متعلقا بعمليات توزيع المساعدات التي تتطلب معايير خاصة وشروطا لا بد من توافرها لضمان سلامة وأمن الجهة التي تقوم بالتوزيع والمستفيدين.

تتبنى المنظمات غير الحكومية أساليب عمل وخططا محكمة الدراسة قبيل تنفيذ أي نشاط توزيع آخذة بعين الإعتبار مبدأ مشتركا قائما على عدم الأذية، أو ما يعرف بـ !do no harm

فهل هذا ما يحصل في لبنان؟ بساطة: كلا! معظم الجمعيات والمنظمات غير الحكومية تلتزم معايير السلامة، ولكن لا يزال هناك الكثير من الفوضى التي تتسم بها هكذا نشاطات بسبب سوء التنظيم والإدارة.

قد يبقى الأمر شبه مقبول، ولكن أن تصل الفوضى حد ازهاق الأرواح، فالأمر يجب التوقف عنده وبشدة لأنه من غير المقبول أن نتسبب - بقصد أو دون قصد- بموت من كان أصلاً ميتاً إقتصادياً وإجتماعياً وحقوقياً.

بتاريخ ١٣ نيسان ٢٠٢١ سقط قتيل وجريحان ، في إشكال حصل في منطقة الخناق في طرابلس، بين عدد من الشبان، على خلفية توزيع حصص غذائية في المنطقة. وتطور الاشكال الى اطلاق نار، ادى الى وفاة الشاب (ك.م.د) متأثرا بجروحه بعدما نقل الى مستشفى المظلوم، فيما سقط جريحان خلال اطلاق النار هما: (ا، س) و(ا، ص) وقد نقلا الى المستشفى للمعالجة.

للمزيد من التفاصيل، إتصلت «الديار» بالناشط والكاتب السياسي ابن مدينة طرابلس، شادي نشابه، الذي أكد وقوع الحادثة أثناء عملية توزيع حصص غذائية كانت منظمة من قبل أحد الأشخاص الذي يدعى الشيخ سلطان والذي نظم هذه العملية بهبة أسترالية بشكل منفرد وضمن منطقة سكنية مكتظة بعد أن قام بتوزيع قسائم لأهل المنطقة. يتابع نشابه سارداً ما حصل أثناء التوزيع، حيث حضر إلى المكان مجموعة من الشبان الذين اصرّوا على الحصول على حصص دون أن تكون اسماؤهم مدرجة في القسائم، الأمر الذي أدى إلى تلاسن مع المنظمين ما لبث أن تطور إلى إطلاق نار أودى بحياة أحد المنظمين وجرح أحد الشبان من طرف المجموعة التي حاولت أخد بعض الحصص عنوةً، دائماً وفق نشابه.

بعد الحادثة ترك المنظمون المكان، لتقوم الجموع باقتحامه والحصول على الحصص بنفسها في ظل فوضى عارمة لا تخلو من عدم الإلتزام بالشروط الصحية وفي أجواء تتّسم بخطورة نشوب أي إحتكاك بشري اخر كان من الممكن أن يرفع الضحايا.

يرى نشابه أن عملية التوزيع شابها خطآن قاتلين تمثلا في إختيار المكان ضمن المنطقة السكنية عوضاً عن أي مكان أخر مفتوح وبعيد عن الإكتظاظ السكاني، وثانيهما كان عدم إبلاغ القوى الأمنية عن النية للقيام بهكذا نوع من النشاطات وهو الأمر الذي لو حصل لكان ساهم في تفادي ازهاق الأرواح.

في بلد تنوعت فيه أسباب الموت، يبقى المسبب واحدا وهو غياب الدولة التام عن ارضها ومواطنيها الأمر الذي يدفع بالبعض الى محاولة تعويض غيابها فيفشل عن غير ذي قصد، ويقوم البعض الأخر باستغلال هيبتها المكسورة ليفرض نفسه ويحاول تحصيل ما هو ليس من حقه بقوة السلاح المتفلت.

نعم لتنظيم العمل الإنساني والإجتماعي، نعم لتدخل وزارة الشؤون بوضع معايير سلامة وأمان لهكذا نوع من النشاطات كيلا نبقى نهاب الموت عند كل حين.