في دوامة لا تنتهي من الظلم الناجم عن الفوضى

من منا لم يلاحظ إنتشار السرقات بشكل رهيب في الآونة الأخيرة في ظل الأزمة الإقتصادية والإجتماعية الصعبة التي يعاني منها اللبنانيين لأول مرة منذ عقود طويلة، ولكن كان لا بد من تسليط الضوء على نوع أخر من السرقات المنتشرة مؤخرا وهي سرقة الممتلكات العامة.

 صدر عن «مؤسسة كهرباء لبنان» البيان الاتي: بتاريخ ٢٢/٣/٢٠٢١ تعطل خط النقل الكهربائي الرئيسي ٢٢٠ ك.ف دير نبوح - بعلبك، ليتبين أن سبب العطل هو سقوط احد أبراج الخط.. حيث تبين أن سبب سقوط البرج هو سرقة زوايا التشبيك الحديدية الداعمة للبرج... وكذلك تبين أن هناك أبراجا أخرى قد سرقت زواياها مما قد يعرضها أيضا الى خطر السقوط علما أن التصليحات ستتطلب وقتا ليس بقصير.

وفي حادثة مشابهة خلال أيام تحدثت الأخبارعن موجة جديدة من السرقات تشهدها منطقة اقليم الخروب، تطال خطوط وشبكات التيار الكهربائي، عن الأعمدة، والمحطات والمحولات، في ظاهرة جديدة، لم تشهدها المنطقة، وقد ادت في عدد من بلدات الاقليم الى عزلها وغياب التيار الكهربائي عن احياء منها، بفعل ذلك، وهذا ما جرى مؤخرا في بلدات الجية وبرجا وجدرا ودلهون وغيرها من البلدات، فيما تقدمت دائرة اقليم الخروب التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان، بشكاوى في مخافر المنطقة، والتي فتحت بدورها التحقيق بكل حادثة، لمعرفة الفاعلين وسوقهم للعدالة.

وبتاريخ ٢٥ اذار ٢٠٢١ نقلت الصحف خبراً عن سرقة «درابزين» كورنيش صيدا البحري، والذي هو عبارة عن قساطل حديدية، يعمد السارقون إلى بيعها مقابل مبالغ مالية كبيرة، كما جرت سابقاً سرقة أغطية «ريغارات» حديدية.

سرقة كابلات كهرباء، أغطية قنوات الصرف الصحي، حديد درابزين الكورنيش البحري، زوايا تشبيك أبراج التوتر العالي، وغير ذلك الكثير من السرقات الغريبة التي باتت تغزو كافة المناطق اللبنانية. فما هو سبب سرقة هكذا نوع من الممتلكات؟

للغاية تواصلنا مع المحامية والمديرة التنفيذية لجمعية «نواة للمبادرات القانونية» السيدة ليال صقر للوقوف على خلفيات هذا النوع من السرقات ومدى تأثيره في المجتمع وخدمات الدولة للمواطن في آن.

صنفت صقر سرقة الأملاك العامة كمن يقوم بسرقة نفسه كونها ممتلكات الناس ووجدت لخدمتهم وبالتالي تبعات سرقتها تترتب عليه وعلى باقي المواطنين، وتكمل معتبرة أن حماية هذه الممتلكات هي من واجب المواطن كما هي من واجب الدولة أيضاً والضرر اللاحق بها يتسبب بتعطيل خدمات عامة وقد يصل إلى حد الحاق الأذى بالاخرين.

اما في ما يخص هذه الأملاك فتتحدث صقر عن أهمية أن يشعر المواطن بالإنتماء بدايةً وبالتالي يصبح قادراً عل معرفة أهمية المحافظة عليها. هذا الامر أيضاً بحاجة لأن يتم تحريكه عبر التوعية، التربية المدنية، إعادة تعريف الحيز العام، وغيره الكثير من الأمور.

وعما يتعلق بفعل السرقة كجرم، تشدد صقر أن المادتين ٧٥٠ و٧٥١ من قانون العقوبات لحظتا أحكاما معينة لهكذا نوع من السرقات وتشددت بالعقوبات على سرقة الكهرباء والمياه، واشارت الى ان هذه القوانين التي تعرف الأملاك العامة (صادرة عام ١٩٢٥) وتلك المتعلقة بالعقوبات (صادرة عام ١٩٤٣) هي قديمة وبحاجة إلى تحديث وتطوير خصوصاً أن مفهوم الحيز العام لم يعد مقنعاً أو حتى واضحاً للبعض وهو ما نشهده إنعكاساً في السرقات والتخريب وعدم الحفاظ على هكذا نوع من الممتلكات.

إذاً لا يجدي نفعاً سرقة هذه الممتلكات كونها مهما درت من الأموال على سارقيها فان الدولة حتماً سوف تعود لتمويل البديل من جيبهم وجيب من لا ذنب له. ما يجري هنا ليس روبنهود الذي يسرق من الأغنياء ليطعم الفقراء، انها دائرة من الفساد اللامتناهي الذي يبدأ من الهرم ويضرب إلى القاعدة أخذاً معه في كل مرة ضحية واحدة: المواطن الذي لاحول له ولا قوة!