لعلها مفاوضات القرن. على خط التماس بين اللعبة الديبلوماسية في فيينا، على أنغام يوهان شتراوس، واللعبة العسكرية في البحر الأحمر، أو في البحر المتوسط، على ألغام بنيامين نتنياهو. «ألنيويورك تايمز» ترى، أمام هشاشة أو ضبابية الاحتمالات»، كما لو أنها رقصة الفالس بين خيوط العنكبوت».

الايرانيون يلعبون بأعصاب تعود الى آلاف السنين، على نقاط الضعف الأميركية. جو بايدن أمام مهام شاقة، وهو يحاول ازالة الركام الذي أحدثه ذلك الاعصار البشري الذي يدعى دونالد ترامب، وحيث لا فارق بين تغريدة الغراب وتغريدة الشيطان. حتى البنية السيكولوجية في الولايات المتحدة تزعزعت...

التأرجح بين المأزق الأفغاني والمأزق العراقي. اشد حساسية «المأزق الاسرائيلي». ثمة رجل مستعد لكي يحرق الشرق الأوسط، بما في ذلك المصالح الأميركية، من أجل البقاء في السلطة.

لم يعد نتنياهو بالرجل السوي. لويد أوستن، وزير الدفاع الأميركي، قدم له «اغراءات مذهلة»، والى حد اقتراح مرابطة قوات أميركية في «اسرائيل». غادر «تل ابيب» وهو يرى أن ثمة شيئاً ما في عيني زعيم الليكود. لا أحد يستطيع أن يقرأ ما في عيون الذئاب...

المفاوضات على قدم وساق. للوهلة الأولى، ربما للوهلة الثانية، بدا آيات الله وكأنهم يخوضون «اللامفاوضات». هكذا كان الرد على تفجير نطنز، وقد هزهم في العمق، ولقد قيل لنا ان آية الله خامنئي لم يشاهد سابقاً بمثل تلك الحالة من الغضب. القفز فوق الـ 20 % الى الـ 60 % في تخصيب اليورانيوم.

هذه هي القفزة الأخيرة قبل الـ 90 % التي تلامس القنبلة. ذهول في البيت الأبيض، وفي بروكسل، حيث كانت مفاجأة الاتحاد الأوروبي المستهجنة، والهجينة، بالعقوبات في ذروة المساعي لدفع المفاوضات الى نقطة التقاطع بين الموقف الأميركي والموقف الايراني.

«اليمين الاسرائيلي» الذي رأى في دونالد ترامب النسخة المعاصرة عن النبي موسى وهو يشق الماء بعصاه لبني «اسرائيل»، لا يثق بجو بايدن، ولا بـ»عقلانية» فريقه. التعليقات تلاحظ أن البيت الأبيض يتراجع، على نحو دراماتيكي، أمام «العدو الايراني» الذي بات يفرض شروطه في ما يتعلق بالوجود الجيوسياسي، وبالوجود الجيوستراتيجي، في المنطقة.

ريتشارد هاس يرى أن «القيادة الاسرائيلية» تبالغ كثيراً في تظهير الصورة. نصيحته «لا تلعبوا ضد أميركا...» ما يشغل بال البنتاغون بعيد عن المنطقة. «الاسرائيليون» (من يصدق؟) وصل بهم الجنون حد التلويح بالانتقال من الخندق الأميركي الى الخندق الصيني!!

لا أحد يراهن على أخلاقية بنيامين نتنياهو، ولا على أخلاقية صديقه الملياردير النيويوركي شلدون ادلسون الذي يدعو «الاسرائيليين» الى استنزاف جو بايدن، وتحويله الى جثة في البيت الأبيض.

الرئيس الأميركي على بيّنة من كل التفاصيل. بموازاة اللهجة التصعيدية ضد الكرملين، لا يتردد في الاتصال بفلاديمير بوتين عارضاً عليه اللقاء في بلد ثالث. الجنرالات يدركون جيداً ما يعنيه تطوير العلاقات بين موسكو وبكين والى حد التكامل الاستراتيجي. روسيا التي لا يفصلها عن الأرض الأميركية سوى مضيق بيرنغ.

من لا يعرف أن ولاية آلاسكا كانت روسية قبل أن يبعها القيصر الكسندر الثاني، الخارج منهكاً من حرب القرم، الى الرئيس أندرو جونسون. (1.518000 كيلومتر مربع  بـ7.200000  دولار).

بطبيعة الحال مشاغل بنيامين نتنياهو، بالبعد النرجسي  في شخصيته، مختلفة عن مشاغل بايدن الذي لا ينظر الى العالم من عيون الحاخامات.

التوصيف الأكثر دقة، والأكثر اثارة، للمشهد هو للفرنسي أوليفييه روا «الأمبراطورية عالقة بين الضرورة الاسرائيلية والضرورة الايرانية». لذا كانت الدعوة الروسية الى آيات الله «القفاز الحريري في يد والقفاز الحديدي في يد». هنا تبدأ الحكاية...