لشدة يهوديتها، رصعت السوار الفضي بنجمة داود، كذلك العقد الفضي. الكسندرا شميدت، المهاجرة الروسية كانت تعتقد أنها ستجد في اسرائيل «امارة يهوه»، وحيث روح الأنبياء تحل في رؤوس القادة. اكتشفت أن الجميع مصابون بـ «متلازمة هتلر» Hitler syndrom...

كان عليها أن تنتقل الى باريس لتجالس، في الحي اللاتيني، ورثة جان بول سارتر (الفيلسوف الوجودي)، لا أن تبقى قرب قبر راحيل تجالس ورثة زئيف جابوتنسكي الذي قال بالحائط الأبدي بين اليهود والعرب.

الرسامة الروسية كانت في صدد نشر كتاب بعنوان «الأنانيات المقدسة» لتلقي الضوء على الاختلال النفسي لدى أهم القادة في الدولة العبرية. هؤلاء الذين يقودون بني قومهم الى ما هو أشد هولاً من الهولوكوست ما دامت تلاحقهم عقدة الأنبياء. كل واحد منهم يرى في نفسه النبي الذي سقط سهواً من التوراة.

جهة ما، ولعله «المجلس التمثيلي لليهود» حال بينها وبين نشر الكتاب الذي أبدت فيه خشيتها من أن يقود بنيامين نتنياهو اسرائيل الى «التيه الآخر». لم يكن زعيم الليكود يحلم بأن يدخل الى دمشق على متن دبابة. كان واثقاً، مع دخول سوريا في فوضى أبوكاليبتية، من أنه على قاب قوسين من القصر الرئاسي على احدى تلال المدينة.

أخذت عليه «هشاشة الرؤية»، ربما «هشاشة الرؤيا»، بالرهان على الشراكة مع رجب طيب اردوغان، الرئيس التركي الذي يعتقد أنه، في شخصه، يختزل كل التراث التاريخي، والاستراتيجي، للعثمانيين كما للسلاجقة.

الاثنان، كظاهرتين فرويديتين، كانا يظنان أن أبواب دمشق مشرعة أمامهما. الأول على برج دبابة. الثاني على صهوة حصان.

اردوغان مسكون بالتاريخ، وحيث دمشق ولاية عثمانية وليست عاصمة الأمبراطورية الأموية. نتنياهو مسكون بالايديولوجيا، وحيث ورد في سفر أشعيا أن دمشق «تزول من بين المدن وتصبح ركاماً من الأنقاض».

لا أحد منهما تمكن من أن يغسل يديه بمياه بردى. على أبواب دمشق سقط الكوندومينيوم (الحكم الثنائي) الذي يشمل سوريا والعراق ولبنان. ربما وصولاً الى الخليج كمستودع للأرصدة المالية والدينية.

الكسندرا شميدت رأت أن الصراع مع ايران أكثر من أن يكون عبثياً. نصحت نتنياهو بأن يقرأ التاريخ بعين السياسي لا بعين الحاخام. هذا ليتذكر «ما فعله قوروش مع آبائنا» (السبي البابلي). هذه دولة على مفترق الطرقات الكبرى بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى، ولا يمكن أن يسمح لاسرائيل بأن تؤثر في مسارها الجيوسياسي، أو في مسارها الجيوستراتيجي.

ولأنها دولة النظام الحديدي، ولأنها على مفترق طرق، يتسابق الأميركيون، والروس، والصينيون، لخطب ودها. المواقف الأميركية تشي بأن ادارة جو بايدن تحاول أن تتجاوز كل العوائق لتطبيع علاقاتها مع آيات الله، ولأسباب تتعلق بالمصالح االاستراتيجية الأكثر حساسية للولايات المتحدة.

ماذا يفعل رئيس الحكومة الاسرائيلية سوى اللجوء الى المراوغة، المراوغة بالنار، من أجل استدراج الايرانيين الى الاشتباك معه لقطع الطريق على المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران.

اللعب في الزوايا الضيقة. هكذا اختراق مفاعل نطنز، الى التفجيرات التكتيكية في السفن الايرانية، والغارات على المواقع الايرانية في سوريا. هو الذي يعلم أن باستطاعة الايرانيين، ساعة يشاؤون، اسقاط أي طائرة تقلع من مطار اللد، أو اغراق أي سفينة تبحر من ميناء أشدود.

لكنهم حائكو السجاد الذين يتقنون «ثقافة الصبر»، على ما كتب ديفيد أغناثيوس. وهم الذين يعلمون أن الدور الأميركي لاسرائيل يتضاءل أكثر فأكثر، حتى ولو فتح دونالد ترامب أمامهم أبواباً كثيرة، لتبقى أبواب أخرى موصدة باحكام.

التعامل الديبلوماسي، وبحرفية مثيرة، مع جو بايدن لا مراقصة بنيامين نتنياهو عسكرياً. لاعب الزوايا القاتلة أم لاعب الأنانيات القاتلة؟ لا يسأل ما مصير اسرائيل اذا ما أدت المفاوضات الى تفاهم بعيد المدى. يسأل ما اذا كانت نهايته مثل نهاية استاذه مناحيم بيغن ملفوفا ببطانية الصوف..!.