حــقـــيـــقــة الــــديــــــار

لم يحصل في التاريخ الحديث ان قامت دولة كبرى عظمى اسمها الولايات المتحدة الاميركية بفرض عقوبات واتخاذ قرارات ظالمة بحق دولة اخرى هي الجمهورية الاسلامية الايرانية التي صمدت وتجاوزت العقوبات، كما تجاوزت نقض الاتفاق النووي بشكل احادي من قبل الرئيس الاميركي العشوائي السابق دونالد ترامب.

وللتذكير، ان الاتفاق النووي الايراني تم الاعلان عنه في 14 تموز 2015، بين ايران والدول الكبرى متمثلة بالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن: الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، اضافة الى المانيا المعروفة بمجموعة 1+5، ووافق عليه مجلس الامن. ثم فجأة قرر الرئيس الاميركي العشوائي السابق ترامب الغاء الاتفاق مع ايران، وقام بفرض عقوبات قاسية جداً عليها، تحت عنوان ان هذه الدولة تهدد استقرار الشرق الاوسط والمنطقة كلها.

العقوبات على ايران كانت شديدة جداً، حيث منع تصدير الصلب والألمنيوم والحديد والمواد الصناعية، كما شملت العقوبات العملة الايرانية كي تفقد قيمتها، ويجوع الشعب الايراني ويرضخ، وبالتالي يسقط النظام، هكذا اعتقدت الولايات المتحدة والرئيس المعتوه دونالد ترامب، كما هدفت اميركا من وراء هذه العقوبات الى عزل ايران عن العالم كله.

إلا انه في المقابل، ردت ايران بالصمود القوي، وبنت طاقاتها رغم منعها من تصدير نفطها الى العالم وتجميد ارصدتها المالية في مصارف العالم كله، فقد صمدت في وجه كل هذا الظلم الذي لحق بها.

وحاولت الولايات المتحدة تحريك الشارع الايراني عبر ضخ اموال هائلة، لتحصل فوضى ضد النظام، ومع ذلك، لم ينجح الرئيس المعتوه ترامب، بتحالفه مع »اسرائيل« ودعم سعودي، في زعزعةّ الاوضاع في ايران ، لأنها دولة مؤسسات، ولأن ايران امبراطورية ذات تاريخ عظيم، ولأن شعب ايران قرر الصمود، ولأن القوة العسكرية الايرانية قوة ضخمة رادعة مؤلفة من الجيش وكل اسلحته، ومن الحرس الثوري، القوة الضاربة، القادر على ردع أي محاولة لضرب ايران والردّ عليها بعنف.

لم تؤدِ العقوبات على ايران الهدف الذي كانت اميركا تسعى اليه، كما ان خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المصدّق من مجلس الامن، لم يثنِ ايران عن تمسكها بارادة الحياة والصمود في وجه الظلم، فعملت على اعادة بناء البنى التحتية، كما قامت بمشاريع ضخمة، منها السدود الملأى بالمياه العذبة والتي غطت المناطق الايرانية كلها، فلا ننسى ان ايران قارة، يوجد فيها مناطق حرارتها 30 درجة فوق الصفر ومناطق اخرى حرارتها 30 درجة تحت الصفر.

صمود ايران تجاه الجبروت الاميركي جعلها تبني قوتها الصاروخية الخاصة، حيث انتجت صواريخ باليستية بعيدة المدى تصل الى شواطىء أوروبا الغربية. صحيح ان ايران لم تنتج سلاح جو، الا انها بنت، بالتنسيق التقني مع الصين، صواريخ أرض - جو، وأرض - بحر.

وهكذا وسّعت ايران نفوذها في المنطقة رداً على العقوبات الاميركية كي تقول لترامب ان خطواتكَ كلها فاشلة.

يقولون ان ايران سيطرت على العراق، لكن الولايات المتحدة هي التي قدمت الاسلحة للعراق في حرب 2003، وهي التي طالبت ان يكون نوري المالكي رئيساً للوزراء بدلاً من أياد العلاوي القريب من واشنطن.

دمّرت الولايات المتحدة في حربها على ايران البنى التحتية، من دون اي اثبات أو من دون صيغة تدلّ على ان ايران تصنع اسلحة نووية، ومع ذلك، قامت ايران وخلال سنتين ونصف، باعادة بناء البنى التحتية، وأصبح نفوذها هو الأقوى في العراق وسوريا، والأقوى في لبنان، مع التحفظ، لأن قوة ايران في لبنان نسبية وليست مطلقة.

بنت ايران أكثر من 1500 مصنع للصلب والحديد، وكل مشتقات البناء، وعملت على تصدير النفط رغم العقوبات الاميركية، واستطاعت الصمود مالياً رغم تجميد ارصدتها.

ايران ستجعل من افغانستان ناراً على الولايات المتحدة، وما ان ينسحب الجيش الاميركي من افغانستان، حتى تدرك اميركا ان كل حربها على افغانستان ذهبت سدى، وقامت طالبان بحكم افغانستان، ولايران اليد الطولى داخل طالبان رغم الفارق الديني حيث ان ايران من الطائفة الشيعية وطالبان من الطائفة السنية، لكنهما متفقتان وتنسقان معاً.

كل الحملة الاميركية على ايران، لأنها زوّدت الحشد الشعبي في العراق بالاسلحة، فأصبح لها النفوذ الكبير فيه، كما دافعت عن سوريا ومنعت اسقاط النظام، وضربت التكفيريين والسلفيين الذين دفعت بهم حرب كونية الى تدمير سوريا، كما ان ايران زوّدت المقاومة اللبنانية بأسلحة رادعة حيث ظهرت قوة المقاومة عام 2006 في حربها على العدو الاسرائيلي، وألحقت بجيشه الهزيمة الكبرى، الذي يعتبر اكبر جيش في المنطقة، ولكن المقاومة اللبنانية هزمته.

الولايات المتحدة ستتعب أمام المحور الذي سينشأ بين الصين وايران وروسيا، ولن تستطيع السيطرة على آسيا الكبرى وصولاً الى الصين وآسيا الصغرى والشرق الأوسط.

اهمّ انجاز حققته ايران انها زادت من تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 %، وبذلك تحدّت الولايات المتحدة غير آبهة بالعقوبات، ومنذ فترة يحاول الرئيس الاميركي جو بايدن دعوة ايران للحوار، الا انها ترفض وتشترط رفع العقوبات قبل أي حوار. ومع فرض اميركا عقوبات على روسيا أول من أمس، فقد تبلور حلف ايران - الصين - روسيا لمواجهة سياسة واشنطن.

والولايات المتحدة تعرف ان أي اعتداء على ايران سيتم الردّ عليه بالصواريخ الباليستية القادرة على ضرب مراكز في الخليج وآسيا والشرق الاوسط بدقة بالغة.

وعندما يعلن قائد الحرس الثوري اللواء حسني سلامي انه اذا اعتدت »اسرائيل« على ايران ستقوم بإبادتها، فهو يتكلم عسكرياً ووجودياً، فكل ما تستطيع فعله »اسرائيل« هو ارسال طائرات F 35 لقصف مراكز في ايران.

وهناك محطة استراتيجية قامت بها ايران مع الصين لمدة 25 عاماً ضمن استثمارات تصل الى 400 و500 مليار دولار، على ان يكون التعامل بالعملتين الايرانية والصينية، وستزوّد الصين ايران بالدولارات، نتيجة شراء المواد الايرانية من كل الانواع، وليس هذا فحسب، فالتعاون الاستراتيجي العسكري بين ايران والصين وصل الى أعلى مستويات، خصوصاً في ما يتعلق بالصواريخ الدقيقة جداً والتي تصيب أهدافاً على امتار.

ايران مثال للدولة التي تحدّت الولايات المتحدة وجبروتها في التقدّم التقني من خلال تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 %، وأميركا تعرف ان أي حرب مع ايران ستؤدي الى وقف امداد الغرب بالنفط ومشتقاته، نظراً للصواريخ الايرانية الدقيقة، لذلك، تحاول الولايات المتحدة التفاوض مع ايران الرافضة لأي حوار قبل رفع العقوبات، وقوة ايران في رفض جبروت الأميركي - السعودي ? "الاسرائيلي" حيث تستمرّ في تخصيب اليورانيوم، وامتلاك »جيش« من الصواريخ والتي يصل عددها الى 200 ألف صاروخ.

تدريجياً، ستدرك الولايات المتحدة انها مضطرة الى الحوار مع ايران، ضمن شروط معتدلة، وستضغط روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على اميركا للعودة الى الاتفاق النووي الايراني، ولكن اذا قررت الولايات المتحدة - وهذا مستبعد مع الرئيس الاميركي الجديد جو بايدن - اللعب بالنار ومهاجمة ايران، فذلك يعني ان المنطقة كلها، ستشتعل من غزة مع »حماس« و»الجهاد الاسلامي«، الى ثورة الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات، الى العراق حيث الحشد الشعبي، الى سوريا ولبنان.

وكل هذا تضاف اليه قوة الجيش الايراني القادر على تدمير دول خليجية بصواريخه الباليستية، حيث مخارج النفط ومصافي النفط وآبار النفط.

بالنتيجة، سينتصر الموقف الايراني المحق والمظلوم. أما الجبروت الاميركي - الصهيوني فلن يستطيع ان يفعل شيئاً، لأن نتائج الحرب ستكون كارثية على كل المنطقة.

صحيح ان ايران لا تستطيع ضرب أميركا، ولا تريد ضرب أوروبا، وهي لا تستطيع ذلك، لأن أوروبا قوة صاروخية كبرى، الا ان ايران ستشعل المنطقة كلها، اذا لم يغيّر بايدن سياسة واشنطن، بدل الخطوات العشوائية التي كان قد اتخذها الرئيس السابق ترامب، والتي جلبت الويل على المنطقة كلها، ولم تضعف ايران بل زادتها قوة.

على كل حال، ستصبح الصورة اكثر وضوحاً خلال الاشهر القادمة، من خلال نتائج مفاوضات فيينا الجارية حالياً بين الدول الخمس +1 وايران، وزيارة رئيس كوريا الجنوبية الى ايران- حيث في كوريا الجنوبية ارصدة مالية ايرانية مجمّدة- جاءت بطلب أميركي لترطيب الاجواء مع ايران ، وهكذا ستبدأ الحلول بالظهور تدريجياً.