«اذا تناهى اليكم أن الملائكة (وعلى غرار الكولونيلات في اليونان) قاموا بانقلاب عسكري في العالم الآخر. دون تردد، انها... وكالة الاستخبارات المركزية»!!

الكلام لميكيس تيودوراكيس الذي وضع موسيقى فيلم Z الشهير. لاحظ كيف أن الكولونيلات، وكانوأ «أشبه بالقطط المرقطة بين يدي الـ «سي. آي. اي»، أحلوا دراكولا محل أفلاطون، وسقراط، وأريسطو. ربما، أيضاً، محل الاسكندر ذي القرنين.

هل فعلت الاستخبارات الروسية أكثر مما فعلته الاستخبارات الأميركية في كوبا وفنزويلا، بل وفي سائر دول أميركا اللاتينية؟ القس البروتستانتي ادغار آدامز أتهم فيدل كاسترو بـ «قيادة الثورة الكاثوليكية» قبل أن يكتشف هذا الأخير أن كارل ماركس أكثر ثورية من البابا.

بالرغم من كلام آدامز، الرئيس الكاثوليكي الوحيد جون كنيدي كان وراء عملية خليج الخنازير التي انتهت بفضيحة عسكرية. صحف كثيرة خرجت بهذا المانشيت «ناصر في الكاريبي» نسبة الى جمال عبد التاصر وما حدث على ضفاف السويس.

بيولوجياً، روسيا وأوكرانيا توأمان. فلاديمير، أمير كييف، هو من صنع روسيا، ومن أدخلها في المسيحية بعدما كان يعتزم اعتناق الاسلام لو أن الخمر فيه مباح. كما أن أمير كييف الآخر ياروسلاف انتصر على «أخوية حملة السيوف» الكاثوليكية، والتي جندها البابا غريغوري الثالث من أجل ازالة «بدعة الأرثوذكسية»، كشكل من أشكال الهرطقة التي تهدد المسيحية من الداخل.

الأميركيون يريدون تحويل أوكرانيا الى قاعدة أطلسية. السكين في الخاصرة الروسية. ماذا لو حاول فلاديمير بوتين اقامة قاعدة مماثلة في كندا أو المكسيك؟

الأميركيون موجودون عسكرياً في أرجاء الكرة الأرضية بذريعة الحفاظ على المصالح الحيوية لبلادهم. كيف للقيصر أن يقبل بصواريخ كروز في فراشه؟

هنري كيسنجر رأى أن الظروف الدولية الراهنة، بحلول التشابك بين الأسواق محل التشابك بين الايديولوجيات، لم تعد تسمح باندلاع حرب باردة.

المصطلح الذي كان دين أتشيسون، وزير الخارجية في عهد هاري ترومان، أول من استخدمه في زمننا بعدما كانت ايزابيلا، ملكة اسبانيا التي أجلت العرب عن الأندلس هي من ابتدعت المصطلح(La Guerra fria ).

واقعاً، تتعذر العودة التلقائية الى أفكار أتشيسون الذي كرّس معادلة المعسكر الغربي ضد المعسكر الشرقي، وهو الذي حمل البيت الأبيض على الدخول في الحرب الكورية، كما أقنعه بمساعدة الفرنسيين في فيتنام قبل أن ينصح ليندون جونسون بالتفاوض مع هو شي منه. واذ بقي طويلاً منظّراً هاماً للاستراتيجيات الكبرى، فقد استشاره جون كنيدي لدى ظهور مشكلة الصواريخ في كوبا...

هذا زمن آخر. جون بايدن، المتمرس في العلاقات الدولية، لا يريد أن يذهب بالأزمة الأوكرانية الى حد الصدام العسكري. «لا رغبة في أن يرتدي البحر الأسود السواد».

واضح من المواقف الأميركية التي تتأرجح بين الصلابة والمرونة الاتجاه الى اقامة علاقات «تفاعلية» مع فلاديمير بوتين الذي، في نظر المخططين الأميركيين، اقترب «أكثر من اللزوم» من الصين، وهو الذي قد يكون قد وضع في رأسه تحويل القارة العجوز الى رهينة للغاز الروسي.

أوكرانيا حساسة جداً للأمن الروسي، وللاستراتيجية الروسية المتعددة الأبعاد بعدما مضى الكرملين بعيداً في البرنامج الخاص بتطوير الصناعات العسكرية على نحو يثير الكثير من الهواجس في نصف الكرة الغربي.

دعوات وراء الضوء الى اعلان حياد أوكرانيا، على شاكلة فنلندا. الجارة الأخرى الأقرب الى ثقافة الروك اندرول منها الى ثقافة الفراشات (البولشوي).

أن تأخذ الأزمة الأوكرانية ذلك المنحى الذي يوحي بهزة عسكرية، انما يعكس نية بايدن التوصل الى هزة ديبلوماسية تفضي الى تكريس مسافة ما بين الدب القطبي والتنين. مهمة معقدة، لكنها ليست مستحيلة. من هنا يبدأ التزلج على صفيح ساخن...