ذهبت كلّ المبادرات الداخلية والخارجية للتسريع في تشكيل الحكومة الجديدة أدراج الريح.. حتى أنّ كلّ الزيارات العربية والخليجية والغربية التي قام بها الرئيس المكلّف سعد الحريري، وزيارته المرتقبة لحاضرة الفاتيكان هذا الخميس في 22 نيسان الجاري للقاء البابا فرنسيس لن تُقدّم أو تؤخّر في مسألة التشكيل. فبابا الفاتيكان، بحسب مصادر سياسية عليمة، سيحثّ الحريري على الإسراع في تأليف الحكومة لإنقاذ الشعب اللبناني من معاناته، لكنّه بالطبع لا يملك مفاتيح الحلّ للتشكيل.

وتقول المصادر، أنّ السياسيين حالياً يُلهون الشعب اللبناني في الداخل بمسألة ترسيم الحدود البحريّة الجنوبية والشمالية تارةً، وبموضوع القاضية غادة عون والقاضي غسّان عويدات المتعلّق بنزاهة القضاء طوراً، ويُسيّرون البلد عبر حكومة تصريف الأعمال. والأسوأ أنّ رئيسها المستقيل حسّان دياب يرفض الدعوة الى عقد جلسات وزارية لرفع ما يلحق بالمواطنين اللبنانيين من ضرر على المستويات كافة، أو على التخفيف منه على الأقلّ، على ما تؤهّله صلاحياته الدستورية، كما الدعوة الى جلسة إستثنائية لمجلس الوزراء لحلّ مسألة تعديل المرسوم 6433 المتعلّق بالإحداثيات الجديدة للحدود البحرية. أمّا السبب فهو خشية تعويم حكومته المستقيلة، أو تفعيل دورها، وبالتالي تحميلها مسؤولية كلّ ما حصل خلال أشهر التكليف وما قد يحصل في الفترة المقبلة.

ويتلهّى السياسيون في الداخل في مشكلة ترسيم الحدود الجنوبية والشمالية، على ما أضافت المصادر، فيما الوضع الإقتصادي والمالي في البلد قد وصل الى الحضيض، والشعب اللبناني بغالبيته بدأ يفتقرويجوع ويُصبح عاطلاً عن العمل، وكلّ ذلك قبل وقف الدعم في حزيران المقبل، على ما يُفترض. هذا الأمر الذي يشي بأنّ الأمور في البلاد سوف تتجه نحو الأسوأ، أي الى ازدياد نسبة العنف والسرقة والقتل من قبل اللبنانيين وغير اللبنانيين المقيمين على الأراضي اللبنانية. علماً بأنّ كلّ التقارير الأمنية الأخيرة الصادرة عن قوى الأمن الداخلي تلحظ ازدياد هذه النسبة بشكل مخيف..

وعمّا ينتظره المسؤولون لتشكيل حكومة وإنقاذ البلاد وتحقيق الإصلاحات وتحسين الوضع الإقتصادي المتردّي قبل أن يُهاجر غالبية الشباب اللبناني الى دول الخارج بحثاً عن العمل وعن لقمة العيش، أكّدت المصادر نفسها أنّ جميع القوى السياسية متفقة على أنّها تريد حكومة، اليوم قبل الغد، إلاّ أنّ أي منها غير مستعد للتنازل عن أي تفصيل، أو «شرط» يتمسّك به. فالفريق الذي يسيطر على الحكومة الجديدة، أو يقبض بمواقفه عليها، ستكون له السلطة في المرحلة المقبلة، ولهذا يصعب على كلّ فريق التخلّي عن مصالحه الفردية، وإن كان البلد قد انهار، ومصير الشعب اللبناني يُواجه المجهول.

وعمّا إذا كان القرار العربي بمقاطعة لبنان هو الذي يجعل الأمور «مجمّدة»، أوضحت المصادر، أنّ الرئيس دياب يُحاول خلال زيارته الى قطر رفع هذه المقاطعة وذلك من خلال دعوة جميع الدول العربية الشقيقة لمدّ يدّ العون للبنان الذي ينزف من الوضع الإقتصادي المتدهور شيئاً فشيئاً. كذلك فإنّ موضوع تطوير العلاقات العربية مع سوريا وعودة التعاون العربي- السوري، فضلاً عن السعي الروسي لحلّ الأزمة السورية، كلّ هذه الأمور قد تؤدّي الى بعض الحلحلة إمّا في موضوع النازحين وإعادتهم الى بلادهم، الأمر الذي يُخفّف من الأعباء المالية التي تتكبّدها الدولة لإيواء نحو مليوني نازح سوري، أو في مسألة الحوار الدولي والإقليمي الذي يشمل لبنان.

وشدّدت المصادر، على أنّ أي إتفاق إقليمي أو دولي لا بدّ وأن ينعكس على الوضع اللبناني، كما على دول المنطقة بشكل أو بآخر. ولكن هذا لا يعني أنّ موضوع تشكيل الحكومة مرهون بالإتفاق «الجديد» الذي سيحصل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران على خلفية الإتفاق النووي الإيراني. ففي الواقع، ليس هناك من تسوية جديدة بين البلدين، بل إنّ الولايات المتحدة ستتراجع عن موقفها السابق الذي اتخذته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، وقضى بالخروج من الإتفاق النووي بين إيران ومجموعة الخمس + واحد لكي تعود مجدّداً إليه. ومن غير الواضح حتى الآن، كيف ستعود أميركا إليه ووفق أي شروط، في ظلّ رفض إيران أي شروط مسبقة لهذه العودة. فضلاً عن أنّ الإتفاق الجديد بين إيران والصين بهدف الإنفتاح والتوسّع الإقتصادي من شأنه جعل الولايات المتحدة تتشبّث أكثر في موقفها. كذلك فإنّ إيران تحصر الإتفاق مع أميركا بالإتفاق النووي حصراً، ما يجعل ملفات المنطقة لا تدخل ضمن هذا الأخير. علماً بأنّ المفاوضات الجارية حالياً في فيينا هي بين الدول الغربية الأربع + واحد، وتدعو طهران واشنطن للعودة الى التزاماتها السابقة، لكي تتعامل معها بالمثل.

ولكن الوضع الدولي الملتبس هو الذي يفرض الضغوطات على لبنان، على ما أضافت المصادر، هو الذي يجعل تشكيل الحكومة «مجمّداً» كون الأطراف الداخلية الموالية لهذا الحلف أو ذاك، تربط لبنان بالواقع الإقليمي ككلّ، وإن لم يكن لبنان يُشكّل أولوية لأي من الدول التي تسعى الى تثبيت مصالحها في دول المنطقة ككلّ. فالتدخّل الإقليمي يفرض نفسه على الواقع اللبناني، وإن كان رئيس مجلس النوّاب يقول بأنّ المشكلة «من عندياتنا»، وحزب الله يرى الأمر نفسه، فضلاً عن رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي الذي سعى أخيراً الى إنتاج حلّ لتشكيل الحكومة من خلال طرح حكومة من 24 وزيراً بدلاً من 18 وزيراً وقد وافق عليها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بشكل فوري، وكان طرح للرئيس برّي بتدوير الزوايا في هذا السياق. فعندما استقال رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في تشرين الثاني 2017، فَعَل ذلك من الرياض، وهذا جانب معيّن من التدخّل الإقليمي في الشأن اللبناني الداخلي. وبعد عودته الى البلد، عاد عن الإستقالة، ومنذ ذلك الوقت والقطيعة شبه نهائية بينه وبين السعودية. ولا تزال المملكة مصرّة على موقفها الواضح والمُعلن، وهو أنّها لن تُسهّل أمر تأليف الحكومة، أو تعطي الضوء الأخضر للحريري لتشكيلها، ما لم تحصل على ضمانات في المنطقة، ولا سيما في موضوع اليمن. ولهذا تتمسّك بموقفها القائم على عدم تسهيل أو التعاطي مع أي حكومة يكون حزب الله مشاركاً فيها، أو القرار له فيها.

وفي مطلق الأحوال، ختمت المصادر ذاتها، بأنّه ليس من قوة فاعلة في لبنان الى درجة قدرتها على تعطيل تشكيل الحكومة منذ استقالة حكومة دياب في 10 آب الفائت، إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 منه، أي منذ 8 أشهر ونصف. ومن الواضح أنّ البعض لا يزال يُعوّل على إبرام الولايات المتحدة تسوية ما إذا ما حصلت على ما تريده في المنطقة لا سيما في إيران والعراق ولبنان. فالفيتوات على تشكيل الحكومة لا تزال قائمة، وحتى المبادرة الفرنسية المطروحة، القرار يعود فيها للأميركي وليس للفرنسي، ولهذا فإنّ أي توافق داخلي لا يصل الى خواتيمه السعيدة بفضل الضغوطات الخارجية.