الجنرال جوزف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية، يرى «أن مشكلتنا في الشرق الأوسط كيفية تأمين التوازن السيكولوجي بين فائض الضعف لدى حلفائنا العرب وفائض القوة لدى حلفائنا الاسرائيليين».

على الولايات المتحدة أن تحمي العرب من التأثيرات البنيوية للضعف. في الوقت نفسه، الحيلولة دون «الاسرائيليين» والوقوع في جاذبية القوة لأن الاستخدام الفوضوي للقوة يمكن أن يؤدي الى زعزعة الستاتيكو، وربما الى ظهور عشوائي للسياسات المجنونة.

فوتيل لاحظ «أننا شهدنا في المنطقة أكثر من محاولة لاختراق الســتاتيكو أن لمآرب شخصية، أو لمأرب جيوسياسية، أو لمآرب فرويدية، كما هي حال رجب طيب اردوغان الذي، بقبعة السلطان، لم يتوان عن اللعب على كل الخطوط الحمراء». لم يقل أن دونالد ترامب استخدمه كحصان خشبي لالهاء الجمهور في حين أن اللعبة تجري في مكان آخر.

ماذا عن آيات الله ؟ في الذاكرة الأميركية لا وجود لمثل «تلك الوجوه الصاخبة». المشكلات معهم أكثر من أن تكون معقدة، وأكثر من أن تكون شاقة، لكنهم ليسوا لاعبي الأقنعة، ولا هم لاعبو الظل.

كالعادة، لا دور لواشنطن في تكريس المساكنة الهجينة بين الضعف العربي و»القوة الاسرائيلية». كثيرون بين الحكام العرب من هم جاهزون ليبيعوا أنفسهم، وليبيعوا دولهم، للشيطان من أجل البقاء على عروشهم. هكذا تستنزف الثروات، وتستنزف الأزمنة، وتستنزف الأجيال. ترسانات هائلة من الأسلحة المتطورة لكأنها الدمى الالكترونية في حضرة الأساطيل.

المعلقون الأميركيون الذين يكتبون بشيء من الموضوعية عن «اسرائيل» يرون أن الساسة هناك دأبوا على اللجوء الى فائض القوة لحل المشكلات السياسية، ربما المشكلات الفلسفية، التي تواجه الدولة العبرية بين الفينة والأخرى. اذ يتجه العالم الى سياسات بعيدة، بشكل أو بآخر، عن ثقافة الدم والاقتراب من ثقافة السوق، يزداد «الاسرائيليون» شغفاً بالنموذج الاسبارطي وحيث «الرقص على قعقعة السلاح»!

المشهد «الاسرائيلي» هكذا. التحول في تشكيل الحكومات من صراع الفيلة (ولا نقول صراع الملوك أو صراع الأنبياء) الى صراع الديكة. اقصى حالات الانتهازية، كما أقصى حالات الزبائنية.

للمرة الأولى يشعر «الاسرائيليون» أنهم لا يستطيعون أن يستخدموا فائض القوة ان في اعادة ترتيب المعادلات الداخلية، أو في اعادة ترتيب المعادلات الخارجية. لا مجال لانتاج أي واقع جديد. عقدة لبنان، الحلقة التي كانت الأضعف في ديناميكية الصراع، باتت الهاجس الاستراتيجي وحتى الهاجس الايديولوجي، للحاخامات كما للجنرالات. أي معنى للقوة حين تكون في الملجأ أو في الثلاجة؟

عهد دونالد ترامب كان العهد التوراتي «لاسرائيل». الأبواب الموصدة كانت تفتح أمامها الواحد تلو الآخر، حتى أن أحد المسؤولين العرب تعهد بتحويل قصره الى كنيس للتأكيد على افتتنانه بالدولة اليهودية.

الستار اسدل على حــقبة دونــالد ترامب. ألآن، دعوات الى العقلانية في التعاطي مع أزمات الشرق الأوسط. الأولوية للخيارات الديبلوماسية. لا اشارة الى الخيارات الأخرى.

صحف اليمين في «اسرائيل» تعكس ما يمكن أن يوصف بـ»الصدمة» حيال سياسات جو بايدن. عتب، وأحياناً بعبارات فــظة، عليه لأنه لم يأخذ بالموقف «الاسرائيلي» الذي يعتبر أن العودة الى الاتفاق النووي، حتى ولو كانت العودة المشروطة، تعني تسليم مفاتيح المنطقة الى آيات الله.

وجه آخر للعتب. الفريق الأميركي الذي يواكب المفاوضات في فيينا لا يضم أياً من احصنة طروادة (وهنا أحصنة الموساد) لنقل التفاصيل، كل التفاصيل، الى «القيادة الاسرائيلية». وحتى عندما زار وزير الدفاع لويد أوستن تل أبيب، كان مجمل حديثه عن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. مصلحة «اسرائيل» جزء من هذه المصالح.

ما توحي به مقالات «اسرائيل اليوم» التي يمولها الملياردير النيويوركي شلدون ادلسون تختزل المشهد. اذا  عاد بايدن الى الاتفاق النووي كل عمليات التطبيع تذهب هباء. الهذا قال السناتور بيرني ساندرز لبنيامين نتنياهو «أميركا لم تعد بين يديك...» ؟؟