تُستأنف المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية بين لبنان والعدو الإسرائيلي اليوم وغداً في 4 و5 أيّار الجاري بعد توقّف دام نحو ستّة أشهر من دون حصول تغييرات تُذكر في كلّ من الموقفين اللبناني والإسرائيلي، باستثناء طلب الإستعانة بخبراء دوليين لترسيم الخط. وتُعقد الجولة الخامسة من المفاوضات، كما سابقاتها، برعاية واستضافة الأمم المتحدة في مقرّ قوّات «اليونيفيل» في الناقورة جنوبي لبنان، بوساطة السفير الأميركي السابق في الجزائر جون ديروشر نفسه. هذه المفاوضات التي عُقدت بعد سنوات من وساطة تولّتها واشنطن، بين 14 تشرين الأول و11 تشرين الثاني المنصرمين على 4 جولات، توقّفت في 2 كانون الأول الماضي بعد إلغاء الجولة الخامسة المفترضة التي كانت مقرّرة أنذاك من دون أسباب واضحة.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية أوقفت المناقشات عندما طلب لبنان «فجأة»، على ما قالت، بمساحة 1430 كلم2 إضافية الى مساحة الـ 860 كلم2 المسمّاة «متنازع عليها»، وذلك باعتماد الخط 29 بدلاً من الخط 23 الذي كان العدو الإسرائيلي يعتقد أنّه سيُفاوض عليه، ممنياً النفس بالحصول على مساحة الـ 370 كلم2 منه التي اقترح «خط هوف» الشهير في العام 2012 أن تكون من ضمن منطقته البحرية، لا بل الإستيلاء على مساحة الـ 490 كلم2 التي منحها الخط نفسه للبنان والتي تقضم كيلومترات من البلوكين 8 و9 اللبنانيين. وفيما تذرّع العدو الإسرائيلي بأنّ لبنان بدّل موقفه الرسمي 7 مرّات خلال المناقشات، أعلن لبنان أنّ المفاوضات عُلقّت كون «الإسرائيلي» فوجىء بمطالبة لبنان بمناقشة الخط 29 القوي من الناحيتين القانونية والتقنية.. كذلك بعد انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية هو جو بايدن كان ينتظر أن تقوم إدارته باستبدال الوسيط الأميركي في مفاوضات الترسيم.

وبعد زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد هيل الأخيرة الى لبنان في 14 نيسان الماضي التي حرّكت ملف المفاوضات، وخرجت باقتراح جديد هو الإستعانة بخبراء دوليين لترسيم الخط البحري، تنطلق مفاوضات الترسيم الحدودي البحري اليوم، على الأسس السابقة نفسها، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية عليمة، وليس وفق أسس جديدة طرحها رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل في مؤتمره الصحافي الأخير مثل توسيع الوفد المفاوض وتقاسم الإنتاج والتوزيع في الثروة النفطية وما الى ذلك. وكشفت بأنّ الجلسات ستُعقد اليوم وغداً على التوالي، وسيرى الوفد اللبناني المُفاوض نوايا «الإسرائيلي» و «الأميركي» وإذا ما كانا قد بدّلا موقفهما من التشبّث برفض أي تعديل، والتمسّك بالخط 1 أو 23 أو «خط هوف» أو حتى الخط 310، ولم يتزحزحا باتجاه الخط 29 أو باتجاه حلّ وسط ضمنه أم لا، وعلى هذا الأساس يتصرّف.

واللافت، على ما أضافت الاوساط، أنّ الإدارة الأميركية الجديدة لم تستبدل الوسيط الأميركي جون ديروشر في هذه المفاوضات، رغم أنّ إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب هي التي عيّنته لقيادة الوفد الذي يتوسّط النزاع الحدودي فيها، ورغم الفرق الشاسع بين الإدارتين. ولعلّ هذا الأمر يُفسّر بأنّ استئناف المفاوضات حاليّاً يهدف ربما الى تقطيع الوقت وليس للتوصّل الى اتفاق نهائي وحقيقي بين الجانبين، لا سيما في ظلّ تقلّص قوّة واشنطن في فرض شروطها على لبنان.

وتقول الاوساط، بأنّ لبنان تحضّر لاستئناف هذه المفاوضات، وقد كان على جهوزية تامّة لها في الأساس. أمّا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يملك ورقة التفاوض باسم لبنان فرأس أمس الإثنين، إجتماعاً في قصر بعبدا في حضور قائد الجيش العماد جوزف عون، لأعضاء الفريق اللبناني الى المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود. وقد بقي الوفد نفسه الذي خاض الجولات الأربع الأولى منها التي عُقدت في 14 و28 و29 ت1 و11 ت2 الماضيين من دون أي تعديل فيه، ويضمّ رئيسه العميد الركن الطيّار بسام ياسين، والعقيد الركن البحري مازن بصبوص، والخبير نجيب مسيحي وعضو هيئة ادارة قطاع البترول المهندس وسام شباط. كما شارك في الإجتماع المستشار العسكري والأمني لرئيس الجمهورية العميد بول مطر.

وذكرت الأوساط نفسها أنّ الرئيس عون أعطى توجيهاته للوفد اللبناني المفاوِض مشدّداً على «أهمية تصحيح الحدود البحرية وفقاً للقوانين والأنظمة الدولية، وكذلك على حقّ لبنان في استثمار ثرواته النفطية الطبيعية في المنطقة الإقتصادية الخالصة». وهذا الموقف، أي تصحيح الحدود، لا يعني بالمبدأ تنازل لبنان عن حقوقه، على ما قد يعتبر البعض، لأنّ الخط 29 يعتمده لبنان كحدّ أقصى لها، إستناداً الى إحدى المقترحات الهندسية لتقرير المكتب الهيدروغرافي البريطاني. في حين إنّ تمكّن لبنان من الحصول على مساحة الـ 860 كلم2 (أي المساحة القديمة المتنازع عليها)، وأكثر منها بقليل جنوباً بما يضمن حقّه كاملاً في حقل الغاز اللبناني المحتمل أو ما يُسمّى بـ «حقل قانا»، من شأنه أن يُعتبر إنجازاً كبيراً له، وليس تنازلاً عن الحقوق. فمفاوضات ترسيم الحدود معقّدة جدّاً، لا سيما بين لبنان والعدو الإسرائيلي في ظلّ وجود طروحات متناقضة وفروقات شاسعة في الخطوط المقترحة. وغالباً ما يتمّ التوافق عليها بين بلدين متلاصقين، ولكن مع الأسف، فإنّ لبنان يخوض مفاوضات مع بلد عدو غير منصف، له مطامع ليس في لبنان فقط بل في دول المنطقة ككلّ.

ولهذا فإنّ المفاوضات قد تستغرق أشهراً عدّة، على ما أشارت الاوساط، سيما وأنّ العدو الإسرائيلي لا يعترف سوى بما يُسمّى منطقة النزاع أي بمساحة الـ 860 كلم2، وكان أوقف المفاوضات بسبب طرح لبنان للخط 29. وكانت ردّة فعله أن قابله بالخط الوهمي المتطرّف 310 أو ما يُعرف بالخط الأحمر. هذا الخط غير المبني على أسس قانونية، والذي استخدمه «الإسرائيلي» فقط للتهويل، من دون أن يكون لديه نيّة فعلية بشنّ حرب في هذا السياق.

ومن هنا، فإنّ الوفد اللبناني العسكري سيستأنف المفاوضات من حيث انتهت، على ما قال وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه، في حديث سابق، أي أنّه سيعود لطرح الخط 29 أو إمكانية اعتماد خط وسط بين النقطتين 23 و29 قد يحمل إسم الخط 25 أو 26، وإن العدو الإسرائيلي يرفضه جملة وتفصيلاً. ولهذا، فإنّ الكلمة الفصل في ترسيم الخط البحري، على ما أكّدت الأوساط نفسها، قد تكون للخبراء الدوليين (أي من دول الخارج) الذين سيأتون للمساعدة في إطلاع المفاوضين والوسطاء على خط الترسيم البحري الحدودي وفق القانون الدولي. علماً بأنّ لبنان كان طالب هيل بالتزام العدو الإسرائيلي بعدم القيام بأعمال نفطية أو غازيّة وعدم البدء بأي أعمال تنقيب في حقل «كاريش» وفي المياه المحاذية. وتوقّعت أن يقدّم الخبراء خطّاً وسطياً لكي يتمكّن الجانبان من الإستثمار في الثروة النفطية البحرية، كلّ في منطقته في ظلّ الإستمرار في حفظ الإستقرار والسلام والأمان في المنطقة. الأمر الذي من شأنه طمأنة الشركات الدولية الملزّمة أعمال التنقيب والحفر والشفط بالمجيء الى منطقة البحر المتوسط لبدء أعمالها من دون الخشية من وقوع مواجهات أمنية بين الجانبين أو شنّ حرب بينهما.

غير أنّ استقدام خبراء دوليين سيتطلّب وقتاً إضافياً، على ما قالت الأوساط، كما أنّ التوافق بين الجانبين سيكون صعباً جدّاً ما يجعل المفاوضات تستغرق أشهراً عدّة للتوصّل الى حلّ نهائي للنزاع الحدودي. أمّا في حال جاء الإسرائيليون بطلبات قاسية، فإنّ المفاوضات ستتوقّف نهائياً كما حصل منذ 10 سنوات، ولن تُعلّق كما حصل منذ أشهر. ولكن اليوم ليس من مصلحة أي جانب وقف هذه المفاوضات، على ما ترى، بل على العكس يجب التوصّل الى نتائج إيجابية منها.

وتزامناً مع انطلاق مفاوضات الترسيم، يقول الأستاذ الجامعي والخبير في قضايا البحار والمياه الدكتور عصام خليفة لـ «الديار» بأنّ مجموعات الحَراك المدني تعقد عند الرابعة من بعد ظهر اليوم الثلاثاء تجمّعاً أمام تمثال الشهداء وسط بيروت، بعد أن جرى إرجاؤه من يوم السبت الماضي، وذلك دعماً للوفد اللبناني في المفاوضات والضغط على المسؤولين لتعديل المرسوم 6433 وتثبيت حدودنا البحرية وفقاً للإحداثيات الجديدة التي اقترحتها قيادة الجيش وتبعاً للخط 29 ولمندرجات القوانين الدولية. وسيلقي خليفة كلمة في المناسبة يشرح فيها أهمية تعديل المرسوم 6433. وكان أجرى مساء الإثنين حواراً على تطبيق «زوم» مع مجموعة من الناشطين من الإنتشار اللبناني في دول الخارج حول موضوع «سبل تحرّك اللبنانيين في العالم من أجل الضغط على المسؤولين لتعديل المرسوم 6433».

ولكن ماذا عن موقف لبنان الذي يدخل مفاوضات الترسيم الحدودية البحرية الجنوبية مُجدّداً من دون تعديل المرسوم 6433 الذي يجعل الخط 29 هو الخط البحري الحدودي بدلاً من الخط 23 المودع لدى الأمم المتحدة، فيجيب الدكتور خليفة بأنّه على مجلس الوزراء اتخاذ قرار توقيع المرسوم وإيداعه مع الخارطة الجديدة لدى المنظمة الدولية، وهذا حقّ يضمنه له نظام الأمانة العامّة للأمم المتحدة (المادة 157). وقال: «لو عدّلت السلطات اللبنانية المرسوم لكان الوفد اللبناني دخل المفاوضات اليوم أقوى، رغم أنّه يستمدّ قوّته من القانون الدولي، وهو لن يتزعزع عن موقفه المتمسّك بالخط 29. فهو ليس لا مع الخط 1 ولا الخط 23 ولا «خط هوف». أمّا الخط الجديد المقترح من قبل العدو الإسرائيلي أي الخط 310 فهو للتخويف وليس مبنيّاً على أي اعتبار تقني أو قانوني».

ويقول العارفون بأنّ من شأن التعديل تقوية موقف لبنان، فيما البديل عنه هو إحالته الى مجلس النوّاب لإقراره في قانون ومن ثمّ إيداعه لدى الأمم المتحدة. وفي حال استمرّت مفاوضات الترسيم من دون تعديل المرسوم المذكور، فإنّ ما قد يقترحه الخبراء الدوليون سيكون ضمن الخطين 1 و23 الرسميين المحدّدين لدى الأمم المتحدة، وإن كان كلّ خط معتمد من جانب آحادي، ما يعني العودة الى «خط هوف» أو خط آخر جديد قريب منه.