قبل انتشار وباء كوفيد-19 لم تكن "كيلسي ويليامز" تدخل كثيراً إلى موقعي فيسبوك وإنستغرام، ولكن خلال فترة الإغلاق تغير ذلك الأمر، بعدما اضطرت السيدة ذات الـ 37 عاماً للبقاء داخل منزلها في مزرعتها شمال تكساس مع زوجها وطفلهما البالغ من العمر 3 سنوات ودجاجهم وماعزهم، كما خسرت مصدر دخلها الرئيسي.

تبيع ويليامز الزيوت الأساسية لشركة تسويق في ولاية يوتا تسمى "يونغ ليفنغ". وكانت عادةً تقيم أكشاكاً لبيع منتجاتها في المؤتمرات والمناسبات الأخرى، وتجني القليل من المال عبر التواصل مع المارة.

تقول ويليامز: "فترة الحجر الصحي لم تكن مرحة، لذا بدأت أفكر وأقول لنفسي: ما هو الخطأ في مشاركتي على وسائل التواصل الاجتماعي؟"

كانت خطتها في تلك المرحلة هي نقل أعمالها في مجال الزيوت الأساسية إلى إنستغرام، حيث يمكنها البيع للأشخاص الذين تتعرف عليهم في الموقع.

قررت ويليامز الاشتراك في دورة تدريبية عبر الإنترنت تسمى "ريدي سيت غرام برو"، حتى تتمكن من بناء مجتمع "شديد التفاعل" على تطبيق إنستغرام لمشاركة الصور، وهو ما سيجلب بدوره "عملاء محتملين لها، وزيادة في المبيعات".

أيضاً، ومن خلال مشاهدة البرامج التعليمية على الويب والمشاركة في جلسات على منصة "زووم"، تعلمت ويليامز بعض الحيل لجذب العملاء المحتملين إلى ملفها الشخصي – ومن ذلك مثلاً: التعليق على المنشورات التي يضعها المؤثرون المشهورون في مجال الصحة.

وبعد أن جذبت أكثر من ألف مستخدم لمتابعتها، أصبحت ويليامز متعلقة بإنستغرام كثيراً، وخاصة أجزاء التطبيق المخصصة للحديث عن طرق الحياة الطبيعية.

شائعات مضللة عن اللقاحات

كانت ويليامز تكره الأدوية الصيدلانية التقليدية بعد أن شعرت بالخوف أثناء معاناتها لفترة قصيرة من السرطان عام 2017، حيث اكتشفت خلال تلك الفترة أن طبيبها فشل في اكتشاف أن العلاج الذي خضعت له يمكن أن يسبب لها العقم.

والآن تقضي السيدة ذات الـ37 عاماً المزيد من الوقت في التعرف على معلومات حول الأشكال المختلفة للطب البديل، مثل التداوي بالمستخلصات الطبيعية والطب الوظيفي.

في هذه الفترة ولأول مرة بدأت ويليامز في الاطلاع على منشورات في إنستغرام عن لقاح كوفيد-19، وصادفت منشورات -تستند إلى شائعات لا أساس لها- تزعم أن جرعات لقاحات فايزر وموديرنا "سامة"، وتُسبب ردود فعل سلبية، وقد تنطوي على مخاطر العقم.

بعد قراءة تلك المنشورات، سرعان ما أصبحت ويليامز مقتنعة بأن اللقاحات التي وافقت عليها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ليست مناسبة لها، رغم أنها تنطوي على آثار جانبية قليلة، وفعالة بشكل كامل تقريباً لتفادي دخول المستشفى أو الوفاة بسبب فيروس كوفيد-19.

تقول ويليامز: "كان هذا أمراً مخيفاً لي.. فأنا أؤمن بطريقة الوقاية المعتمدة على جهاز المناعة الطبيعي، ولا أؤمن بمناعة القطيع التي يسببها اللقاح".

كان الاعتقاد الشائع بأنه في أوقات الأوبئة الفتاكة وخلال قرن من الزمان سيرغب الجميع تقريباً بشدة في الحصول على لقاح يساعدهم على استعادة حياتهم الطبيعية. لكن هذا تغير تماماً بسبب القوة التي تتمتع بها مواقع مثل فيسبوك وإنستغرام، والتي وفرت جميع الأدوات اللازمة للنشطاء المناهضين للقاحات والمضللين الصحيين حتى يقوموا باستقطاب المترددين في الحصول على اللقاح إلى جانبهم.

الموقف الرسمي لفيسبوك

على مر السنين، وضع هؤلاء الانتهازيون استراتيجية تتوافق مع عصر التواصل الاجتماعي، حيث ينشرون الشكوك المعادية للعلم في مجموعات فيسبوك وقصص ومنشورات إنستغرام، ويجذبون تفاعلاً كبيراً مع المنشورات التي تثير ردود فعل عاطفية قوية، مما يزيد من رغبتهم في تضخيم المعلومات المضللة.

وكان لدى هؤلاء المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي -الذين تم إضفاء الشرعية عليهم من خلال جذبهم لأعداد متابعين كبيرة- عام كامل لزرع الشكوك حول لقاحات كوفيد-19، قبل أن تتخذ فيسبوك إجراءً مهماً للتصدي لتلك المنشورات.

واستغل هؤلاء الانتهازيون الارتباك العام والرسائل المتباينة التي يصرح بها المسؤولون الحكوميون والصحيون حول كل شيء، بداية من الكمامات والآثار الجانبية للقاح وإجراءات السلامة، من أجل تضليل الجمهور.

يتمثل الموقف الرسمي لإدارة فيسبوك في أنه لا يحظر المنشورات ما لم "تسبب ضرراً وشيكاً". وتدعي الشبكة الاجتماعية أنها لم تطبق تلك القاعدة لشهور قليلة فقط على المعلومات المضللة حول لقاح كوفيد-19 أثناء حملة التطعيم العالمية.

وحتى مع استمرار الحيرة وانتشار الأكاذيب المضادة للقاحات كوفيد-19 على الإنترنت، يدافع مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، بقوة عن تصرفات شركته في هذا الصدد.

ويقول منتقدو زوكربيرغ، بأن الشركة لم تقدم ما يكفي حتى الآن للتصدي للأكاذيب حول اللقاح.

وفي جلسة استماع بالكونغرس في 25 مارس الماضي بمشاركة زوكربيرغ ومجموعة من الرؤساء التنفيذيين لشركات مواقع التواصل الاجتماعي، قال مايك دويل، ممثل ولاية بنسلفانيا في الكونغرس، وهو عضو من الحزب الديمقراطي إن "المحتوى الذي لا تزال مواقع الويب التابعة لزوكربيرغ تروج له، وتوصي به، وتشاركه هو أحد أكبر أسباب رفض الناس للقاح" وأضاف: "لم يتغير أي شيء في هذه القضية حتى الآن".

بذور الحقيقة وأرض التضليل

في شهر أكتوبر 2020، تواصلت مجموعة من المضللين الصحيين افتراضياً مع ملايين من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي لمناقشة هذه الفرصة التاريخية، حيث كان العالم على بُعد أشهر من الحصول على لقاحات التحصين ضد فيروس كوفيد-19.

أشار العديد من صانعي اللقاحات إلى أنهم سيطلبون قريباً إذناً للاستخدام الطارئ للقاح الفيروس من إدارة الغذاء والدواء. ولكن رأى المشككون في اللقاح وقتها الفرصة سانحة أمامهم لشن حرب مضادة عليه.

وفي سلسلة المناقشات التي تمت في حالة تشبه أجواء مؤتمرات المبيعات، تكلم المتحدثون عن اللقاح المنتظر صدوره خلال الأشهر المقبلة.

وقال روبرت إف. كينيدي جونيور، نجل المدعي العام الأمريكي السابق روبرت أف. كينيدي، وأحد رواد نظرية مؤامرة اللقاح: "كل الحقائق التي كنا نحاول إعلانها لسنوات عديدة، بات هناك أشخاص يسمعونها بالفعل.. والآن ستنمو بذور هذه الحقائق وتنتشر على أرضٍ خصبة للغاية".

ولسنوات عديدة كان النشطاء –ممن يحمل بعضهم مؤهلات طبية، والبعض الآخر لا يمتلك أي مؤهلات على الإطلاق– يجتذبون المتابعين، خاصة بين فئات أمهات الأطفال الصغار، وذلك من خلال الادعاء كذباً بأن اللقاحات الروتينية للحصبة والنكاف يمكن أن تسبب التوحد وأمراضاً أخرى.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الأمريكيين تجاهلوا تلك الاداعاءات، واستمروا في الحصول على لقاحاتهم، إلا أن الحصبة، التي أعلنت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أنه تم القضاء عليها في الولايات المتحدة قبل عقدين من الزمن، عادت في السنوات الأخيرة. وذلك لأنه حتى الانخفاضات الطفيفة في معدلات التطعيم يمكن أن تقضي على مناعة القطيع اللازمة لاستمرار احتواء بعض الفيروسات.

وفي عام 2019، شهدت الولايات المتحدة زيادة بنسبة 300% في حالات الإصابة بالحصبة. ومن بين أسباب تفشي المرض كانت "المعلومات المضللة في المجتمعات حول سلامة الجرعات"، وفقًا لمركز السيطرة الأمريكي على الأمراض.

استهداف الشابات

في حالة وباء كوفيد-19 كان الكبار -وليس الأطفال- هم أول من يحق لهم الحصول على الجرعة. ومع ذلك، استهدف المشككون في اللقاح مجموعة يعرفون مخاوفها جيداً، وهم: الشابات.

وفي الخريف الماضي، بدأت المجموعات في مشاركة منشور -تم حذفه الآن- ويرجع لأصل غير معروف، نقلاً عن طبيبين على فيسبوك وإنستغرام، وكان هذا المنشور يحمل عنوان مخيف وكاذب يقول: "رئيس أبحاث شركة فايزر: لقاح كوفيد-19 يسبب العقم للإناث".

زعم المنشور كذباً أن اللقاح يحتوي على بروتين "سبايك"، الذي يمكن أن يمنع تكوين المشيمة، ويسبب العقم لدى النساء.

وكان هذا الادعاء كاذباً، لكنه زاد من حالة عدم اليقين بين الناس. ولم تختبر شركتي فايزر وموديرنا حتى الآن لقاحاتهما على النساء الحوامل أو المرضعات على وجه التحديد> كما لا يغطي تصريح الاستخدام الطارئ من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تلقيح الحوامل. بل إن إرشادات الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد تقول إنه "لا ينبغي منع الحوامل أو المرضعات من الحصول على اللقاحات".

بحلول شهر فبراير الماضي، سجلت أكثر من 30 ألف امرأة حامل أسمائهن في برنامج مراقبة تابع للحكومة الأمريكية بعد الحصول على جرعات من لقاح كوفيد-19، وحتى الآن لم تكن هناك تأثيرات خطرة.

ووجدت دراسات حديثة أن اللقاحات ليست فعالة فقط على النساء الحوامل، ولكنها أيضاً تنقل الأجسام المضادة إلى الأطفال حديثي الولادة. ولأن النساء الحوامل أكثر عرضة للوفاة بسبب كوفيد-19، فإن العديد من الأطباء يوصون بحصول الحامل على اللقاح على أي حال.

وتقول لوري ميتز، الأخصائية الاجتماعية السريرية المرخصة في نيويورك والمتخصصة في الخصوبة إن "النساء يشعرن بالارتباك". وتضيف: "أحياناً يقول الطبيب شيئاً للنساء، ثم يقرأن منشوراً ما على مدونة فيشعرن بالقلق والخوف".

المنشور الكاذب

كانت هذه المنطقة الرمادية المليئة بالشكوك أرضاً خصبة للنشطاء المناهضين للقاحات. وفي شهر ديسمبر الماضي، شارك "ديل بيغتري"، مؤسس شبكة "إينفورمد كونست أكشن نتوورك"، المنشور الكاذب حول تسبب اللقاح في العقم مع مئات الآلاف من متابعيه على فيسبوك وإنستغرام، وتمت مشاركة هذا المنشور لاحقاً على فيسبوك أكثر من 25 ألف مرة.

وكتبت امرأة تدعى "إميلي" تعليقاً مرفقاً مع صورة مزيفة لمدونة شركة فايزر -والذي لا يزال من الممكن العثور عليه منتشراً على فيسبوك بلغات متعددة: "أرى هذا المنشور في كل مكان! لقد بدأت في تصديق هذا بالفعل".

دعم المعلقون على منشورها هذه الأكاذيب عبر نشر المزيد من الأدلة الخاطئة تماماً. وقال البعض إنها أثبتت مؤامرة أخرى مفضوحة، وتلك المؤامرة هي: "أن لقاح كوفيد-19 عبارة عن جزء من جهود تقليل عدد السكان حول العالم، والتي يمولها بيل جيتس، رئيس شركة مايكروسوفت العالمية".

قلق من اللقاح

تظهر آثار هذه المعلومات المضللة بالفعل في بيانات استطلاعات الرأي. فمن بين الأشخاص الذين يقولون إنهم من غير المرجح أن يحصلوا على اللقاح، تشعر أكثر من نصف النساء في الولايات المتحدة بالقلق من الآثار الجانبية، مقارنة بـ 44% من الرجال، وفقاً لمسح أجراه مكتب الإحصاء الأمريكي في الفترة من 3 مارس إلى 15 مارس.

أيضاً، تقوم العديد من النساء المؤهلات بالفعل للحصول على اللقاح برفض الجرعة، وفقًا لاستطلاعات الرأي ومقابلات مع أكثر من 12 شخصا.

وتؤكد أكثر من ثلث طواقم التمريض -والتي تشتمل على عدد كبير من السيدات وهم من بين أوائل المؤهلين للحصول على اللقاح- أنهم ليسوا واثقين من أن لقاح كوفيد -19 آمن وفعال، وفقاً لمؤسسة الممرضات الأمريكية.

ووجد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بوست كايزر فاميلي" في واشنطن خلال شهر مارس الماضي أن 18% من العاملين في مجال الرعاية الصحية لا ينوون الحصول على اللقاح.

وتعد المعدلات المرتفعة للرفض والتردد بين العاملين في مجال الرعاية الصحية نقطة مهمة تدق ناقوس الخطر.

تعتبر اللقاحات إلى حد كبير أفضل طريقة لإنهاء الجائحة التي قتلت أكثر من نصف مليون أمريكي، وتسببت في أزمة مالية عالمية.

ويقدر علماء الأوبئة أن تلقيح 70% إلى 85% من سكان الولايات المتحدة من شأنه أن يحفز المناعة الجمعية اللازمة للعودة إلى الحياة الطبيعية.

رد علمي

كانت الطواقم الطبية وهي خطوط الدفاع الأولي في مواجهة الفيروس، تعاني من مخاطر عالية، ورأت بأعينها الدمار الذي يسببه فيروس كوفيد-19، وإذا كانت هذه الطواقم لا تريد اللقاحات، فإن الخبراء قلقون من عدم تلقي عددٍ كافٍ من عامة الناس على تلك اللقاحات أيضاً، مما يسمح للفيروس بالاستمرار في الانتشار.

وفي سبيل مواجهة الصور الساخرة (الميم) والمنشورات الخاطئة الموجودة على الإنترنت، قدمت شركة فايزر رداً علمياً، وقالت في بيان صحفي يرد على الشائعة: "لقد تم الترويج خطئاً لأن لقاح كوفيد-19 يسبب العقم؛ بسبب تسلسل قصير جداً للأحماض الأمينية في بروتين سبايك لفيروس كوفيد- سارس2، الذي تتم مشاركته مع بروتين المشيمة سينسيتين-1".

وأضافت: "ومع ذلك، فإن هذا التسلسل قصير جداً، ومكون من أربعة أحماض أمينية مشتركة، ولا يمكن أن يؤدي منطقياً إلى ظهور المناعة الذاتية".

كان رد فايزر دقيقاً وعلمياً للغاية، لكن المعلومات المضللة كانت أكثر قابلية للمشاركة والانتشار، حسبما تقول كارين كورنبلوه، مديرة صندوق مارشال الألماني لمبادرة الولايات المتحدة للابتكار الرقمي والديمقراطية.

وأضافت كورنبلوه: "يجب على الأشخاص الذين يدعمون العلم أن يوضحوا تلك الحقائق باستخدام طريقة سرد أفضل".

خيط رفيع

في الأشهر الأولى من جائحة كوفيد-19، حاول زوكربيرغ تصوير نفسه وموقعه فيسبوك كمصدر للمعلومات الجيدة القائمة على الحقائق العلمية عن الفيروس.

واستضاف زوكربيرغ "أنتوني فوتسي"، أكبر مسؤول في مجال الأمراض المعدية في الولايات المتحدة عدة مرات، للدخول في جلسات أسئلة وأجوبة مباشرة، وجعل شركته تطور صفحة عن فيروس كوفيد -19 تحتوي على معلومات عن التباعد الاجتماعي والاختبارات والكمامات.

ورداً على كل المعلومات الخاطئة عن اللقاح التي تم تداولها على منصته، قال زوكربيرغ في سبتمبر الماضي، إنه لا يعتقد أنه من المناسب لشركته إزالة معظم هذه المنشورات.

وأضاف في حوار مع موقع أكسيوس الإخباري: "إذا أشار شخص ما إلى حالة تسبب فيها اللقاح في ضرر أو كان قلقاً بشأنه، فمن الصعب أن أقول من وجهة نظري أنه لا ينبغي السماح له بالتعبير عن رأيه على الإطلاق". وأضاف:

يوجد خط رفيع بين الحماس نحو قضية مهمة، واتخاذ إجراء فعلي قد يتسبب في ضرر ما

فيسبوك يتصدى للمعلومات المضللة

بحلول 8 فبراير الماضي، أي بعد شهرين تقريباً من بدء التطعيمات في الولايات المتحدة وبعد عام من بدء أزمة وباء كوفيد-19، تراجع زوكربيرغ عن وجهة نظره هذه، وقرر أن المعلومات المضللة تسبب فعلًا ضرراً في الواقع.

ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت منشورات التشكيك في اللقاح على الإنترنت قد تسببت في قرارات بالعالم الواقعي، ودفعت البعض إلى رفض الحصول على اللقاحات.

أعلن فيسبوك أنه سيتم حظر حسابات إنستغرام ومجموعات فيسبوك التي تشارك معلومات خاطئة مراراً وتكراراً حول اللقاحات، وأن المناهضين للحصول على اللقاحات سيصبحون أقل بروزاً في نتائج البحث، وهي خطوة طالب بها منتقدو مواقع التواصل الاجتماعي لسنوات.

وبالفعل، فقد روبرت أف. كينيدي وديل بيغتري وأسماء كبيرة أخرى القدرة على دخول حساباتهم على الفيسبوك. لكن العديد من المضللين الآخرين لا يزالوا يحتفظون بحساباتهم.

صفحات رفض اللقاحات لم تختف

في بحث تجريبي باستخدام كلمة "لقاح" على إنستغرام بعد أيام قليلة من إعلان زوكربيرغ، كانت غالبية الحسابات العشرين الأولى التي قدمتها المنصة تشكك بشكل واضح في اللقاحات.

والنتيجة السادسة في القائمة كانت لصفحة تسمى "أنتي فاكس نو ذا فاكتس"، وكان الملف الشخصي للصفحة يقول للجمهور: "تناولوا الخضروات بدلاً من اللقاحات".

أما النتيجة الثامنة فكانت تسمى "أنتي فاكسين"، والنتيجة الثانية عشر باسم: "فاكسين فريدوم"، والنتيجة 13: "كوفيد فاكسين إينجري"، والنتيجة 14: "أنتي فاكسين فور لايف".

كانت صفحة "فاكسين فريدوم" عبارة عن حساب المركز الوطني لمعلومات اللقاح، الذي يضم 54 ألف متابع، وهي نفس المجموعة التي باعت تذاكر مؤتمر أكتوبر –المضاد للقاح– الذي تحدث فيه روبرت كينيدي.

وقالت شركة فيسبوك لـ"بلومبرغ بيزنس ويك" إنه منذ شهر فبراير الماضي أزال الموقع مليوني منشور من المحتوى المضاد للقاحات، والتي كانت تنتهك سياسة الموقع.

لكن بحلول ذلك الوقت، كان العديد من منشورات هذه المؤامرات قد وصلت بالفعل إلى أشخاص مثل ويليامز في مزرعتها في شمال تكساس، وما زالت مستمرة في الانتشار بطرق لا يمكن لأدوات التنظيف الآلي في فيسبوك العثور عليها بسهولة، ومن تلك الطرق: صور سطح الشاشة، والتعليقات، والرسائل الجماعية.

التشكيك يصل إلى العالم الواقعي

والأسوأ من ذلك، أن المعلومات الخاطئة التي زرعها المشككون في اللقاح على فيسبوك كانت تنتشر في العالم الحقيقي، حتى في كليات التمريض نفسها.

وتقول طالبة تمريض من هيوستن إن أستاذتها في مادة الدراسات السريرية قالت بكل فخر أمام الفصل إنها لم تحصل على اللقاح، كما امتنع الشخص الذي يعطي اللقاحات في الحرم الجامعي عن تلقي اللقاح أيضاً.

رفضت ممرضة تبلغ من العمر 28 عاماً في ساوثفيلد بولاية ميشيغان أول فرصة لها للحصول على اللقاح لأنها تحاول إنجاب طفل، رغم أنها شاهدت طلبات التلقيح على الإنترنت بالفعل، وتقول: "حتى لو كنت من بين العاملين في المجال الطبي، فأنت لا تعرف ما هي الحقيقة".

ودافعت مونيكا بيكرت، مديرة سياسة المحتوى في شركة فيسبوك عن توقيت خطوة حظر المنشورات المضادة للقاحات في مكالمة مع المراسلين تمت خلال شهر فبراير الماضي، وقالت بيكرت: "إن منظمة الصحة العالمية ومركز السيطرة على الأمراض وخبراء الصحة العامة الآخرين نصحوا الشبكة الاجتماعية باتخاذ إجراءات أقوى، لأن المعلومات المضللة كانت تقنع الناس بعدم الحصول على اللقاحات".

وكان ذلك الدليل الذي أقنع إدارة فيسبوك بتسبب محتوى الموقع فعلاً في "ضرر حقيقي".

تكرر الأمر نفسه مجدداً في قضية استخدام الشبكة الاجتماعية خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، حيث رفضت إدارة فيسبوك إيقاف حملة "ستوب ذا ستيل" أو "أوقفوا السرقة"، وهي عبارة عن مجموعات كانت تنشر أكذوبة مفادها أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد فاز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة.

وبدلاً من إيقاف تلك الحملة، وضع فيسبوك ملاحظة على منشورات الحملة تقول إن "جو بايدن قد فاز بالفعل بالسباق الرئاسي".

كبح الضعيف

وفي 6 يناير الماضي، اقتحم مثيرو الشغب بعنف مبنى الكابيتول الأمريكي، وهو هجوم تم التخطيط له جزئياً عبر استخدام الشبكة الاجتماعية. وعندها فقط بدأ فيسبوك في حظر مجموعات "ستوب ذا ستيل"، وقام بتعليق حساب ترامب.

قد يكون نهج فيسبوك المتمثل في السماح للمحتوى الخاطئ عن اللقاحات بالبقاء على الإنترنت مع التحقق بشكل طفيف من الحقائق، أقل فاعلية من محاولاته لكبح جماح المعلومات السياسية المضللة والتحريض.

ومن غير المرجح أن يتأثر الأشخاص الذين صدقوا المؤامرات بالفعل بعلامة "معلومات مضللة"، كما أنه من السهل تجاهل العلامات.

وتبرز الآن رسالة أمام مستخدمي إنستغرام عندما يبحثون عن كلمة "لقاح"، ويسألهم الموقع فيها عما إذا كانوا يريدون حقاً رؤية النتائج، ويمكنهم غلق هذه الرسالة بسهولة باستخدام نقرة واحدة.

تعديل طريقة عمل فيسبوك

من بين المشكلات الأساسية في قضية المعلومات المضللة على الفيسبوك، هي تصميم طريقة عمل الموقع نفسه. فبعد انتخابات عام 2016، وكرد فعل على الانتقادات الموجهة لدور فيسبوك المتزايد في الاستقطاب السياسي، قامت الشركة بإجراء تغيير حاسم في طريقة عمل منصتها.

وأعلن زوكربيرغ تغيير فقرة "مهمة الموقع" في بيان جديد، وقال إنها: "بناء مجتمع جماهيري، وتقريب العالم من بعضه البعض". وهذا يعني تسليط الضوء على المجموعات، بحيث يترابط الناس حول الاهتمامات المشتركة، بدلاً من الخلاف حول الأخبار.

وساعد هذا التغيير أيضاً فيسبوك على زيادة الإيرادات، من خلال دفع المزيد من المحتوى ضمن تحديثات الصفحات الشخصية للمستخدمين.

في السابق، كان المستخدمون يشاهدون في الغالب ما ينشره أصدقاؤهم أو أصدقاء أصدقاؤهم، ولكنهم الآن يرون أي شيء مشترك في مجموعة ينتمون إليها في تحديثات صفحاتهم أيضاً، مما يسمح بمساحة أكبر للإعلانات.

وتوصي خوارزميات موقع فيسبوك بالمجموعات لمستخدميها بناءً على ما يميل الأشخاص الذين لديهم اهتمامات مشتركة إلى الإعجاب به أيضاً.

لذلك، إذا انضممت إلى مجموعة حول الطبخ النباتي، فقد يوصي فيسبوك لك بمجموعة تركز على الطب البديل.

وإذا انضممت إلى مجموعة للطب البديل، فقد يقترح فيسبوك عليك الانضمام لمجموعة أخرى حول أضرار اللقاح. وهكذا يجد المستخدمون هذه المجموعات، والتي يدفع بعضها المستخدمين إلى الوقوع في أفخاخهم المضللة.

تستخدم الشبكة الاجتماعية آليات مماثلة لتخصيص توصيات متابعة حسابات إنستغرام. وتقول ويليامز: "بمجرد أن تجد شخصاً ما، ستتمكن من العثور على شخص آخر".

في الوقت نفسه، سلط فيسبوك وإنستغرام أيضاً الضوء على ما يسمى بـ"المحادثات الهادفة"، وهي المنشورات التي تجذب الكثير من التعليقات بسرعة كبيرة.

المساعدة على نشر الأكاذيب

تجذب التغيرات في الحالة الاجتماعية للمستخدم، والتي تسلط الضوء على أخبار مثل: الحمل، والخطوبة، وغيرها من الأحداث الكبيرة في حياة المستخدم، أيضاً تفاعلاً وانتشاراً كبيرين، سواء كان هذا التفاعل في صورة محتوى مفاجئ، أو مخيف، أو مثير للجدل، ويشمل ذلك أيضاً المنشورات المضادة للقاحات.

ووفقًا لهذه القاعدة، يكون الأشخاص ذوي النوايا الحسنة ممن يحاولون فضح المعلومات الخاطئة عن اللقاح عبر التعليق على تلك المنشورات المضللة قد ساعدوا على انتشار هذه الأكاذيب بشكل كبير، وذلك من خلال تحفيز خواريزميات فيسبوك على مشاركة هذه المنشورات مع المزيد من الأشخاص.

وكان إنستغرام أرضاً خصبة لانتشار الشائعات بطريقته الخاصة. فالصحة تعتبر إحدى الفئات الأسرع نمواً على الموقع، وتشارك بعض أكبر الأسماء في هذه الفئة على الموقع من خلال نوع منشورات معروف على نطاق واسع باسم "منشورات قطاع العافية".

التربح من تزييف المعلومات عن اللقاح

يقدم أحد فروع النشطاء المؤثرين في ذلك القطاع، ومنهم أولئك الذين انجذبت إليهم ويليامز، استراتيجيات علمية زائفة لممارسة الحياة الصحية. وقد تبدو بعض خيارات نموذج الحياة هذه وكأنها لا تشكل خطراً على الصحة، مثل: الأنظمة الغذائية النباتية، وتناول شاي التخلص من السموم، ويتم تقديم هذه الطرق للمستخدمين بجانب النصائح الطبية المشكوك فيها.

في بداية انتشار فيروس كوفيد-19، على سبيل المثال، ادعى بعض هؤلاء المؤثرين أن اتباع نظام غذائي صحي، وممارسة الرياضة، وتناول أي مكملات غذائية يبيعونها للمستخدمين هي أفضل الطرق لتجنب الإصابة بالفيروس.

غالباً ما يكون الهدف من هذه الادعاءات هو تحقيق الربح، حيث تكسب الأسماء الكبيرة في الحركات المضادة للقاحات، ومن بينها "كينيدي" و"بيغتري" المال من إجراء المحادثات أو الندوات الإلكترونية أو بيع المكملات الغذائية.

يبيع أحد المؤثرين على إنستغرام عبوات من الملصقات بقيمة 15 دولاراً للواحدة، والتي تحمل شعارات مثل: "اللقاحات يمكن أن تسبب الإصابات والوفاة"، و"لن أحصل على لقاح كوفيد -19 أبداً"، بينما يدعي مجموعة من المؤثرين الآخرين على الموقع أنهم يقومون بنظام تدريبي يكافح الإصابة بفيروس كوفيد-19.

وتقول مؤثرة ضمن مجموعة ثالثة من المؤثرين على الموقع إنها "دكتورة في الطب البديل"، وتتقاضى 295 دولاراً مقابل تقديم استشارة لقاح، و4997 دولاراً مقابل إجراء ندوة عبر الإنترنت، كما تقدم خصومات على المكملات الغذائية التي تبيعها، وأجهزة تنقية الهواء التي تخلص البيئة من السموم.

ويشير إقرار إخلاء المسؤولية القانوني المذكور في الجزء السفلي من موقعها على الويب إلى أن المعلومات التي تقدمها "لأغراض تعليمية وإعلامية فقط، وليست نصائح طبية"، بينما لا يوجد لديها بيان إخلاء مسؤولية على صفحتها على إنستغرام.

محاربة التردد والشائعات

إذا تحدثت إلى الأطباء الذين أمضوا العام الماضي في أقسام مرضى الكوفيد-19، سيؤكدون لك أنهم يقضون وقتاً متزايداً في مناقشة مرضاهم عن الأشياء غير الصحيحة إلى حد كبير التي يقرؤونها على موقع فيسبوك.

ويقول ريان مارينو، عالم السموم الطبية في كليفلاند: "لقد أخبرني عدد لا يحصى من المرضى أن كوفيد-19 ليس حقيقياً، وأنه ليس أسوأ من دور الإنفلونزا العادي".

والآن، يخبره الناس أنهم لا يريدون اللقاح أيضاً، والرافضون ليسو فقط من الشابات، حيث قام النشطاء المناهضون للقاحات بنشر الأكاذيب بين الفئات الضعيفة الأخرى أيضاً، ولا سيما أصحاب البشرة السمراء.

يعتبر "مارينو" جزءاً من كادر غير رسمي من العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يقضون وقت فراغهم على وسائل التواصل الاجتماعي وهم يحاولون محاربة الأكاذيب عبر نشر المعلومات الصحيحة. والمنصة التي يركز عليها مارينو هي موقع تويتر، ولكن هناك أطباء مثله على فيسبوك وإنستغرام وتيك توك أيضاً.

وهذا بالضبط هو نوع السلوك الذي تقول شركة فيسبوك عنه إنه سيتغلب على المعلومات الخاطئة المنتشرة عن اللقاح على منصاتها.

ويقول كيفين مكاليستر، المتحدث الرسمي باسم فيسبوك، في إشارة إلى مركز المعلومات الصحية الخاص بكوفيد-19 التابع للشركة: "تُظهر الأبحاث أن أفضل طريقة لمحاربة التردد في تناول اللقاحات هي ربط الأشخاص بمعلومات موثوقة من خبراء الصحة".

أسلوب الدفاع الخاطئ

وجدت الدراسات أن تقديم الحقائق بشكل مباشر لا يستطيع تغيير الآراء بشكل كبير، بينما يكون للقصص الشخصية من مصادر معروفة تأثيراً أكبر.

وفي البداية اعتقدت الطبيبة دانييلا بيلاردو -تماماً مثل إدارة فيسبوك- أن مشاركة المعلومات القائمة على العلم من شأنها أن تؤدي الغرض وتحارب الشائعات.

ولكن عندما بدأ الفيروس بالانتشار في شهر مارس قبل الماضي، تم نقل بيلاردو، التي كانت تعمل وقتها كطبيبة زميلة في قسم أمراض القلب في فيلادلفيا، إلى قسم مرضى كوفيد-19.

وكانت بيلاردو تقضي أيامها في رعاية المرضى، ممن يستخدم بعضهم أجهزة التنفس الصناعي، والبعض الآخر بالكاد يستطيع التنفس بمفرده. وكانت تفعل كل ذلك بدون ارتداءها لمعدات الحماية المناسبة.

وتقول: "كان الأمر قاسياً حقاً..كنت أذهب إلى العمل، وأرى الفيروس، وأرى الموت، ثم أعود إلى المنزل لأرى الكثير من المعلومات المضللة عبر الإنترنت".

وكان لدى بيلاردو بالفعل حساب إنستغرام قوي يتابعه الكثير من الناس بسبب ما تنشره حول التغذية النباتية. وفي بداية الوباء، قررت استخدام حسابها لفضح الأكاذيب المنتشرة المتعلقة بفيروس كوفيد-19.

كانت منشوراتها الأولى تقنية، وعلمية، وتهدف إلى تصحيح الحقائق. وكلما كانت تتعرض للمضايقات والمعلقين الغاضبين من منشوراتها –وعددهم كبير- كانت ترد مباشرة على المنتقدين.

تقول بيلاردو عن تلك الطريقة في محاربة الأكاذيب: "كنت أفعل ذلك بشكل خاطئ، وكان كثير من الأطباء يقومون بالأمر بطريقة خاطئة أيضاً".

وتضيف: "باستخدام هذه الطريقة كنا نسلط الضوء أكثر على المنشورات الخاطئة ونرتبط بهم مباشرة، بل ونوجه المزيد من المشاهدات لتلك المنشورات، ونعززها على خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي".

تهديد بالقتل وطرد من العمل

لم تعد بيلاردو، التي تشغل الآن منصب مدير قسم أمراض القلب في معهد الطب النباتي في نيوبورت بيتش بكاليفورنيا، تتعامل بشكل مباشر مع الأكاذيب، لأن ذلك يتسبب في توجيه مزيد من الاهتمام إلى المنشورات الخاطئة، حسب منطق فيسبوك وإنستغرام.

ولكن بدلاً من ذلك، تحاول طبيبة أمراض القلب الآن مشاركة الأشياء التي تعرف أنها ستحقق تأثيراً جيداً، مثل: الميم، وصور السيلفي، والقصص الشخصية، ومنشورات الأسئلة والأجوبة.

كانت طريقتها الجديدة ناجحة نسبياً، حيث زاد عدد متابعيها بنحو عشرات الآلاف من الأشخاص. لكن منشوراتها لا تزال تجذب الكثير من المعلقين المناهضين للقاح، على الرغم من حظرها لأي شخص يضايقها.

ويقول ريان مارينو، عالم السموم الطبية في كليفلاند إنه أيضاً يعاني بكثرة أيضاً من المضايقات والتهديدات بالقتل، ولا يحدث ذلك عبر الإنترنت فقط، حيث قام ناس بتهديده في مكان عمله، كما اتصل آخرون بالمستشفى التي يعمل بها؛ حتى يحاولوا طرده من العمل.

ويوضح: "كان لدي مرضى يتهمونني بأنني أستفيد مادياً من أزمة كوفيد-19، رغم أنني أقوم بعمل تحليلات اكتشاف الفيروس على الناس فقط، وأتقاضى أجراً على إجراء التشخيص". ويضيف مارينو: "في غضون ذلك، يجني أبرز الشخصيات الرئيسية في الحركات الإلكترونية المناهضة لتطعيمات كوفيد-19 أرباحاً هائلة".

على الرغم من نجاح بيلاردو ومارينو في جذب عدد أكبر من المتابعين إليهم، إلا أن جهودهم لم تصل بعد إلى أشخاص مثل ويليامز، حيث تُظهر خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي للناس المزيد مما يريدون رؤيته.

وتقول ويليامز: "لأكون صادقة تماماً، لم أر توصيات الأطباء بالحصول على اللقاح"، ولفتت أنها حتى لو شاهدت تلك التوصيات لن تصدقها.