إنحياز أميركي وموقف لبناني ضعيف

«عدنا الى نقطة الصفر»... فلم تلبث أن استؤنفت المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين الوفدين العسكريين اللبناني والعدو الإسرائيلي بعد تعليقها نحو ستّة أشهر، في جولة خامسة صباح الثلاثاء الفائت في رأس الناقورة برعاية الأمم المتحدة ووساطة أميركية، ودامت خمس ساعات، حتى جرى تأجيل الجولة السادسة منها التي كانت مقرّرة الحادية عشرة من قبل ظهر أمس الأربعاء لـ «عدم التوصّل الى أي إتفاق» بسبب الإنحياز الأميركي والتعنّت «الإسرائيلي» وضعف الموقف اللبناني مع عدم تعديل المرسوم 6433.

فمفاوضات ترسيم الحدود الشائكة والمعقّدة بشكل عام، والتي تزداد تعقيداً عندما يكون الطرف الآخر عدوّاً يطمح الى الإستيلاء على ثروة لبنان النفطية، لم يواجهها لبنان كما يجب، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية مواكبة لمسألة ترسيم الحدود، إذ تدخّلت فيها السياسة من جديد.. وقد أعطى لبنان الوسيط الأميركي «هدية» أو ذريعة استفاد منها لكي لا يظهر منحازاً بشكل أعمى للعدو الإسرائيلي. فذهاب الوفد العسكري اللبناني مجدّداً الى طاولة المفاوضات من دون تعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة،جعله يبدو ضعيفاً، رغم أنّه يتسلّح بموقف قوي تقنيّاً وقانونياً، لم يكن يحتاج سوى لإجراء قانوني من قبل السياسيين، لا سيما عندما طلب رئيس الوفد الأميركي «أن يكون التفاوض محصوراً فقط بين «الخطّ الإسرائيلي» (أي الخط 1) والخط اللبناني (أي الخط 23) المودَعين لدى الأمم المتحدة، أي ضمن المساحة 860 كلم2»، فبدا وكأنّه «يُعادل» بين الجانبين، في حين طالب لبنان بحصر التفاوض بالمنطقة المتنازع عليها والتي تبلغ مساحتها 2290 كلم2، وفق الخط الحدودي 29، والتي تقتطع جزءاً من حقل»كاريش»الذي يُنقّب فيه العدو الإسرائيلي، لصالح لبنان، كما تمسّك بالتفاوض غير المباشر مع العدو ومن دون أي شروط مسبقة. أمّا العدوالإسرائيلي فيهمّه العودة الى التفاوض على منطقة النزاع بين الخطين 1 و23 لإبقاء حقل «كاريش» والبلوك 72 خارجها لكي يتمكّن من بدء أعمال شفط الغاز في حزيران المقبل. كذلك فإنّ الإبقاء على الخط 1 ضمن التفاوض، على ما اقترح الأميركي، يجعله يستولي على كيلومترات عدّة من البلوكين اللبنانيين 8 و9 حيث يوجد حقل قانا المحتمل للغاز والذي لم يعمل المسؤولون اللبنانيون على حمايته من خلال تعديل المرسوم 6433.

وهذا ما سبق وأن حذّر منه رئيس الوفد اللبناني العميد الركن الطيّار بسّام ياسين الذي قال في وقت سابق إنّنا «لن ننزل الى المفاوضات لنخسرها، ونحتاج إلى (سلاح) الإحداثيات الجديدة كي نكسب المعركة»، معتبراً أنّ «عدم تعديل المرسوم يُشكّل خنجراً في صدر الوفد اللبناني الى المفاوضات». وقال «نحتاج الى سياسيين أقوياء ونحن سنتكفّل بتحصيل الحقّ»، مضيفاً «نحن عسكريون نذهب الى المعركة بغرض كسبها. والمفاوضات هي حرب».

وكان الضغط الذي مارسته واشنطن من خلال السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا ومن ثمّ زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل على المسؤولين اللبنانيين لعدم تعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة، قد فَعل فعله، على ما شدّدت الاوساط، وساهم في خروج الوفدين العسكريين المفاوِضين خاليي الوفاض من الجولة الخامسة.. ولهذا جرى تأجيل الجولة السادسة منها الى موعد لم يتمّ تحديده، على غرار ما حصل في 2 كانون الأول الماضي عندما جرى تعليق المفاوضات إثر اعتراض العدو الإسرائيلي على الخريطة التي قدّمها لبنان خلال مفاوضات الجولات الأربع الماضية، والتي اعتمدت على الخط 29 الذي طالب من خلاله بمساحة 1430 كلم2 إضافية الى المساحة التي تُسمّى منطقة النزاع وهي الـ 860 كلم2.

من هنا أضافت الأوساط نفسها، لو كان لبنان قام بتعديل المرسوم 6433 وأودعه الأمم المتحدة بالخريطة الجديدة التي تعتبر الخط 29 بدلاً من الخط 23 هو خط الحدود البحرية للمنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان، على ما كان يُطالب الوفد العسكري المفاوِض، وخبراء قانونيين وعسكريين، قبل العودة الى الطاولة، لكان موقفه قويّاً أكثر بكثير من «الموقف الإسرائيلي». فهذا الأخير لا يستطيع تصحيح إحداثياته واعتماد الخط 310 (أو الخط الأحمر) الذي طرحه في الإعلام من دون أي حجّة قانونية للمساومة ولتخويف لبنان فقط. ولو كان خطّاً صحيحاً لكان أودعه لدى الأمم المتحدة على وجه السرعة ومن دون أي تأخير رغم علمه بأنّ الأميركي موجود لدعم موقفه أيّاً يكن. وهكذا فوّت لبنان عليه فرصة المواجهة بالخط 29 بدلاً من الخط 23 المودع لدى الأمم المتحدة منذ العام 2007 ولم يقم بتصحيحه على مدى السنوات الماضية رغم معرفة جميع المسؤولين المعنيين بأنّه خط خاطىء تشوبه العيوب القانونية، وذلك عندما طلب الأميركي من الوفدين التفاوض على أساس الخطين المودَعين لدى الأمم المتحدة.

وترى الاوساط، بأنّ العودة الى التفاوض على مساحة الـ 860 كلم2، هي عودٌ على بدء أي ما معناه العودة الى نقطة الصفر، أي الى اقتراح تقاسم هذه المنطقة وفق «خط هوف» الذي اقترحه السفير الأميركي فريديريك هوف في العام 2012 وجرى رفضه من قبل لبنان.. رغم الحديث عن أنّ هوف كان مستعدّاً لأن يعطي لبنان نحو 90 % منه وليس فقط 55% مقابل 45% للعدو الإسرائيلي، غير أنّه طالب بالحصول على المساحة كاملة.

وفي رأي الاوساط ، إنّ توسيع الوفد اللبناني المفاوِض الى المفاوضات غير المباشرة مع العدو، على ما اقترح رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، ليشمل سياسيين وديبلوماسيين من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً. فعندما تدخّلت السياسة في هذا الملف منذ 14 عاماً أوقفته، وتعود اليوم لتوقفه وتحرم لبنان من ثروته النفطية في الوقت الذي يحتاج فيه الى أي منفذ لتحسين الوضع الإقتصادي والمالي المتردّي فيه.

أمّا النتيجة التي وصل اليها التفاوض فكانت متوقّعة، على ما ذكرت الاوساط ، كون الوفد العسكري اللبناني ذهب هذه المرّة الى المفاوضات «ضعيفاً» بسبب عدم تعديل المرسوم 6433، في حين أنّه غادرها منذ نحو 6 أشهر قويّاً من خلال طرحه الخط 29 الذي أخاف الجانبين الأميركي و»الإسرائيلي» لارتكازه على حجج قانونية وتقنية قويّة لا يُمكن دحضها.ولكن في الوقت الذي كان يعتقد فيه الوفد اللبناني أنّ اعتماد القانون يبقى الأساس لضمان استمرار المفاوضات، طالبه الأميركي بالتفاوض على الخط 23 المودع لدى الأمم المتحدة. وعندما رفض هذا الأمر كونه لن يفضي الى حلّ عادل ومنصف للبنان، علّق الأميركي والعدو المفاوضات من جديد.

وعن الإنحياز الأميركي لحليفه «الإسرائيلي»، قالت الاوساط إنّه واضح تماماً، سيما وأنّ الأميركي يسبق حليفه للمطالبة بحقّه، كما لا يقوم بوساطة عادلة منذ بدء المفاوضات غير المباشرة، وهذا الأمر معروف من قبل الجميع. فيما العدو الإسرائيلي يستغلّ الوضع الإقتصادي اللبناني المتدهور للضغط على لبنان بالقبول بمقترحاته، والأميركي ضغط وحصل على ما يطمح إليه عبر تجميد تعديل المرسوم 6433 من قبل لبنان. علماً بأنّ الوفد اللبناني أصرّ على حقّه في حدوده البحرية، وفي كلّ نقطة مياه وفقاً لقانون البحار المتعارف عليه دوليّاً لتدعيم موقفه خلافاً للمرسوم المودع لدى الأمم المتحدة.

وأشارت الأوساط ذاتها الى أنّ الأميركي يعطي الأولوية اليوم لموضوع النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط أكثر من أي أمر آخر في المنطقة، ولهذا يندفع للوساطة في هذه المفاوضات لتأمين مصالحه النفطية والغازيّة البعيدة المدى. فشركة «شيفرون» الأميركية، عملاقة الشركات الدولية في سوق الطاقة، قد أتمّت صفقة شراء شركة «نوبل إنرجي» التي كانت تُشغّل حقول النفط والغاز «الإسرائيلية»، وقد أصبحت بذلك المالكة بالكامل لأسهم «نوبل إينك» المالكة لـ «نوبل إنرجي» في كيان العدو . وهذا الأمر من شأنه أن يعود على العدو بمليارات الدولارات خلال العقود الأربعة المقبلة. وتقول المعلومات أنّ هذه الشركة تطمح لدخول البلوكات اللبنانية، ولاستخرج النفط والغاز من المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان، وذلك عن طريق قيام الأميركي لاحقاً بالتفاهم مع لبنان على اتفاقيات معيّنة يحصل فيها على نسبة من الأرباح المالية.