منذ ان رحلت فرنسا عن لبنان في العام 1946، وبعد ثلاث سنوات على استقلاله، وحلول بريطانيا مكانها، فان دورها غاب لا بل بات مفقوداً، لتتقدم الولايات المتحدة الاميركية منذ خمسينات القرن الماضي، ويكون لها النفوذ والتأثير في السياسة اللبنانية، ولم يعد يسمع لباريس اي تحرك تجاه هذا البلد الذي انشأت دولته قبل قرن من الزمن، ويتحسر المسؤولون الفرنسيون على ان ما اعلنوه دولة، فهي الى زوال، بسبب اداء وممارسة القوى السياسية والحزبية التي حكمته تباعاً، ونتج عن ذلك الانهيار.

فالحضور السياسي «للام الحنون»، كما يصفها بعض من كان ينظر اليها كثقافة و«حاضنة» للموارنة خصوصاً والمسيحيين عموماً، ظهر مؤخراً مع مبادرة الرئىس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وقبل ذلك، فان فرنسا لم تكن شريكة في التسويات التي حصلت على مدى عقود، منذ «ميثاق 1943»، الذي كان الحضور الانكليزي فيه، ثم في اتفاق الطائف الذي لعبت اميركا دوراً فاعلاً مع السعودية وسوريا في اقراره، وكانت باريس بعيدة عنه، حيث حاولت استعادة دور لها في عقد مؤتمر «سان ريمو» عام 2007، ولم تنجح.

هذا الموجز التاريخي لدور فرنسا في لبنان، والذي حاول الرئيس الراحل شارل ديغول احياءه، في ستينات القرن الماضي، لا سيما موقفه الرافض للعدوان الاسرائىلي على مطار بيروت نهاية عام 1968، فان الرئىس ماكرون بطرحه لمبادرة يعتبرها انقاذية للبنان، فانه حاول ملء الفراغ السياسي الذي تشهده الساحة اللبنانية، وعدم وجود مرجعية اقليمية ودولية، تساعد اللبنانيين على الخروج من ازمتهم المتعددة الاسباب والنتائج، حيث تقول مصادر ديبلوماسية متابعة للحراك الفرنسي، منذ ما بعد انفجار مرفأ بيروت، بان الانطباع الفرنسي، بعد مرور هذه الفترة الزمنية على المبادرة الرئاسية، تشاؤمي بامتياز، وان القوى السياسية التي التقى بها الرئيس ماكرون خدعته، ولم تكذب عليه، بل كذبت على نفسها، وعلى اللبنانيين، الذين يكتوون بالفقر والجوع وانحلال مؤسسات الدولة، وهم بهذا المعنى، فقدوا ثقة ليس السلطة الفرنسية بل الشعب الفرنسي، الذي ايده في مبادرته، وجزء كبير منه، في المواجهة ايضاً مع ادارة ماكرون، الذي سيخوض الانتخابات الرئاسية بعد عام، مع تراجع شعبيته، وهو كان يأمل ان يحقق نجاحاً في لبنان، تزيد من رصيده الشعبي المتناقص، لكنه فشل وفق ما عبر هو نفسه، كما وزير الخارجية جان ايف لودريان، الذي حضر الى لبنان، ولم يلتق اي طرف سياسي، في رسالة مباشرة الى ان فرنسا نفضت يدها من القوى السياسية، وهي بدّلت وجهتها وتفتش عن قوى حية في المجتمع المدني وقد تحولت الى حالات سياسية وشعبية، وفق تقديرات المسؤولين في فرنسا، الذين يراهنون على تغيير تحدثه مجموعات تغييرية من خلال الانتخابات النيابية بعد عام.

فمن التقى بهم لودريان، هم اطراف في ما كان يسمى «الحراك الشعبي»، الذي انطفأ، ويشتعل في مناسبات سياسية، اذ ان الرهان الفرنسي على خلق بدائل، قد لا يكون صائباً، لان من اجتمع اليهم الوزير الفرنسي، ومنهم احزاب، كالكتائب والكتلة الوطنية، نشأوا في كنف الانتداب الفرنسي، وان مؤسس الكتلة الوطنية اميل اده، كان معتمداً فرنسياً، فهل هذا هو حنين فرنسي لمرحلة الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي، تقول المصادر التي ترى تخبطاً في السياسة الفرنسية تجاه لبنان، كما ارتباكاً في مبادرة الرئيس ماكرون الذي التقى مع القوى السياسية وحضها على تشكيل حكومة مهمة، ثم ليتراجع، ويطرح حكومة اختصاصيين مدعومة من القوى السياسية، وهذا ما دفع بالرئىس سعد الحريري، ان يقدم نفسه لرئاسة الحكومة تحت سقفها، فلم يلق التجاوب والدعم، اذ تبين للرئىس الفرنسي، بأنه لا يمكنه ان يكون اللاعب الوحيد في لبنان، بل يوجد لاعبون آخرون عليه ان يقف على خاطرهم، ويشرح لهم ماذا يفعل، فكان اتصاله بالرئىس الاميركي الجديد جو بايدن، بعد ان اقفل الرئيس السابق دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، الطريق امام المبادرة، كما ان ايران لاعب اساسي في لبنان والمنطقة، في وقت لم يقف ماكرون عند رأي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، الذي ليس متحمساً لعودة الحريري الى رئاسة الحكومة، اضافة الى اطراف اخرى كسوريا وتركيا ومصر وقطر، لها موقفها مما يجري في لبنان، حيث تحتاج المبادرة الفرنسية الى دعم خارجي، تلقاه ماكرون من بايدن دون الدخول في التفاصيل.

ففرنسا بعد سنوات تعود بمبادرة، لتعوض غياب عقود، التي تخللتها تحركات تجاه لبنان في ازمات وحروب متعددة، لكنها عودة خالية الوفاض، لانها تلعب، لعبة رجل في بور القوى السياسية واخرى في بور قوى تسميها بديلة.