ارجأ الرئيس نبيه بري النقاش الى اليوم حول رسالة رئيس الجمهورية للمجلس النيابي بعد ان اكتفى بتلاوة الرسالة امس، وعليه أمهل الكتل النيابية يوما اضافيا مفاده ان يؤدي النقاش الى نتيحة ايجابية لا يزيد الاحتقان الحاصل في البلد. فهل سيتمكن المجلس النيابي من أن يسجل خرقا في انسداد عملية تأليف الحكومة؟ ام ان هذه الرسالة ستزيد من التوتر القائم بين العهد وبين الرئيس المكلف سعد الحريري؟ وهل سيكون ردّ تيار المستقبل على الرسالة الرئاسية بالمطالبة بتقصير ولاية رئيس الجمهورية ام ان الحريري سيتعامل بمرونة؟

في هذا الصدد، تؤكد اوساط نيابية بارزة في «الثنائي الشيعي» لـ»الديار» ان بري قام بإتصالات امس وليل امس وتردد انه كان يسعى لجمع الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل على مائدته للعشاء او على الاقل تبريد جلسة اليوم بعد اتصالات اجراها بالرجلين امس.

وتؤكد الاوساط ان جلسة اليوم لن تؤدي الى نتائج كبيرة ويتوقع ان تكون لهجة كل من كتلتي المستقبل ولبنان القوي مخففة بعد اتصالات بري وذلك لمنع تفجير الاوضاع وتأزيمها مجدداً.

وترى اوساط سياسية ان المجلس النيابي لا يمكنه مطالبة الرئيس المكلف بتشكيل حكومة، بل دوره يكون بمخاطبة الرئيسين عون والحريري وحثهما على الاتفاق. ولذلك يرى البعض ان رسالة عون للبرلمان لن تقدم ولن تؤخر، لا بل من المحتمل ان تزيد التوتر بين الطرفين، الامر الذي سينعكس سلبا على الساحة اللبنانية.


اهداف رسالة الرئيس عون للمجلس النيابي

من جهة اخرى، قالت مصادر سياسية بارزة ان هدف رسالة رئيس الجمهورية للمجلس النيابي له ابعاد عدة. اولها يريد العهد ان يظهر انه ليس في موقع المعطل والمعرقل في هذه المرحلة لتأليف الحكومة وان الطرف الذي يتحمل هذه المسؤولية هو الرئيس المكلف. وفي هذا السياق، رأت هذه المصادر انه يجب التوقف عند تزامن توجيه رئيس الجمهورية ميشال عون رسالة الى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عارضا حيثيات الفراغ القائم ومحمّلا الرئيس سعد الحريري هذا التأخير في ولادة الحكومة المرتقبة وايضا مع توجيه عون رسالة الى البرلمان اللبناني وفقا للمضمون نفسه وملقيا على المجلس النيابي المسؤولية على أساس انه لا يجوز ان يستمر الفراغ في هذا الصدد.

وثانيا عبر هاتين الرسالتين سواء الى ماكرون او الى البرلمان اللبناني، اعتبرت المصادر السياسية البارزة ان الرئيس عون يريد ان يقطع الطريق أمام أي عقوبات فرنسية محتملة على مقربين منه، فضلا عن زيادة منسوب الضغط على سعد الحريري من اجل دفعه اما الى الاعتذار واما الى تشكيل حكومة في وقت سريع. وعليه، رأت هذه المصادر ان رئيس الجمهورية ميشال عون يعتمد سياسة جديدة في مقاربة الازمة الحكومية ولحشر الرئيس المكلف امام خيارات محددة، مشيرة الى ان اطلالة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط جاءت لتدعم وجهة نظر رئيس الجمهورية على حساب سعد الحريري. ذلك ان جنبلاط وضع اللوم على الحريري ودعاه الى لقاء رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل لحل هذه الازمة. كما اعرب جنبلاط عن استغرابه من عدم لقاء الحريري لباسيل اليوم علما انهما كانا في «زواج ماروني» في حكومتين متتاليتين.


حزب الله على مسافة واحدة من عون وبري

وفي مقلب حزب الله، تؤكد الاوساط النيابية ان الحزب لن يكون في مواجهة عون ولن يخرّب علاقته التحالفية الابدية مع الرئيس بري وهو يسعى الى ان تكون الرسالة بوابة لتحريك المياه الراكدة، وانها مناسبة لاعادة اللقاءات بين عون والحريري، ويرفض حزب الله ان تكون الرسالة بوابة لتفخيخ الاوضاع وتوتيرها ولا سيما ان قيمتها الدستورية تحفيزية وليست تقريرية، وبالتالي لن يكون لها تأثير لا في التأليف ولا في دفع الحريري الى الاعتذار او حتى القدرة على سحب التكليف منه. 

في المقابل تؤكد اوساط سنية علمائية لـ»الديار» ان الحديث عن اسمي صلاح وتمام سلام بقي في التداول تحسباً لاي طارىء حكومي ولا سيما اعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري.


مصر متمسكة بمبادرة بري: هل تنجح الوساطات في حل الازمة؟

اما من ناحية الوساطات العربية والغربية لحل الازمة اللبنانية، كشفت مصادر ديبلوماسية ان مصر على غرار فرنسا والامارات وروسيا تواصل تحركها باتجاه تأليف الحكومة اللبنانية. واشارت هذه المصادر ان الحراك المصري كان دائما حراكا «كواليسيا» بعيدا عن الاضواء خلافا للحراك الفرنسي والروسي. انما اعتبرت المصادر الديبلوماسية ان كل المساعي الدولية لم تتمكن من انهاء الخلافات نتيجة الفراغ المتمادي وعدم الوصول الى تفاهمات مشتركة. وانطلاقا من هذه المعطيات، لا يبدو ان ولادة الحكومة متوفرة حتى اللحظة بسبب الخلاف المستحكم بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. وتابعت المصادر الديبلوماسية انه ما لم يعتذر الرئيس المكلف سعد الحريري او يقدم على تسوية مع العهد، لن يكون هناك حكومة وهذه هي كلمة السر التي اطلقها وليد جنبلاط التي تشكل مفتاح التشكيل للحكومة.

في الوقت ذاته، اكدت اوساط سياسية ان مصر لا تزال متمسكة بمبادرة الرئيس نبيه بري التي تنص على تشكيل حكومة من 24 وزيرا وعلى ايجاد حل لحقيبتي الداخلية والعدل لانهاء الازمة الحكومية. من هنا، سيسعى الرئيس بري قدر المستطاع الى ترطيب اجواء جلسة اليوم وتفادي انفجار الاوضاع سياسيا في البرلمان، فلا تصل الامور الى تصعيد طائفي وسجالات حول صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. انما في الوقت ذاته، اشارت هذه الاوساط الى انه يتم التنسيق بين مصر وفرنسا حول المأزق اللبناني لافتة انه بعد التطورات في غزة والتي اظهرت ان الولايات المتحدة لا تريد التصعيد في المنطقة، كثفت مصر التواصل مع السعودية لتخفيض الضغط في لبنان والتشجيع على مد اليد الى الرئيس المكلف، ذلك ان القاهرة لا تريد اعتذار الحريري باي شكل من الاشكال.

وانطلاقا من ذلك، يرى ايضا الفرنسيون ان الاولوية هو تشكيل حكومة وتأييد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لتاليف حكومة تكنوسياسية خير دليل على ان فرنسا تشدد اولا على ولادة الحكومة. كما ان كلام جنبلاط للحريري بأن عليه تشكيل حكومة اولا ومن ثم حل مشكلته مع السعودية يعكس التوجه الجديد للفرنسيين حيال لبنان.


رئيس الجمهورية سيتخذ خطوات اخرى اذا لم يتم التجاوب مع رسالته

في غضون ذلك، كشفت مصادر مطلعة ان الرئيس عون سيتطرق الى خطوات اخرى في حال لم يتم الوصول الى نتيجة بعد توجيه رسالة الى المجلس النيابي حول الازمة الحكومية، عندها قد يكون الخيار الثاني هو استقالة نواب تكتل لبنان القوي من البرلمان وهذا سيكون ضربة قوية للفريق الاخر المعارض للعهد. وفي هذا المجال، اعتبرت المصادر ان البعض وضع هذا الكلام في خانة التهويل في حين رأى البعض الاخر ان الرئيس عون وبعد ان شهد على سعي افرقاء سياسيين الى اسقاط عهده وخاصة في السنتين الاخيرتين منه فهو لن يبقى مكتوف اليدين وسيتجه الى سياسة «عليّ وعلى اعدائي». وهذا الطرح الاخير قد يتحول من كلام الى فعل لمواجهة اخصامه السياسيين الذين يريدون الفراغ الحكومي.


قوة لبنان بالحياد ام بمقاومته؟

على صعيد اخر، يعود الحوار الى ان قوة لبنان بحياده على غرار قوة لبنان بضعفه يوم اطلقها مؤسس حزب الكتائب بيار جميل علما ان الاحداث عبر التاريخ برهنت ان هذه المعادلة خاطئة فلا ضعف لبنان ولا حياده اديا الى حمايته من اطماع ومخططات الدول الخبيثة تجاهه بل اظهرت الايام ان معادلة قوة لبنان بمقاومته هي الوحيدة القادرة على درء اي خطر عن الوطن وعن الشعب اللبناني اضافة الى انها الحصن المنيع امام اي متطاول على سيادة لبنان واستقلاله.


القوات اللبنانية: الوطني الحر يستغل النزوح السوري لغاية سياسية مكشوفة

الى ذلك، اكدت القوات اللبنانية انها لم تكن يوما معارضة لعودة النازحين السوريين الى بلادهم واقدمت على عدة مبادرات على هذا المستوى وكانت من شقين. الشق الاول عودة النازحين السوريين المؤيدين للرئيس بشار الاسد فورا الى سوريا. وهنا قالت مصادر القوات اللبنانية ان موقفها نابع من القانون الدولي الذي يقول ان اي لاجئ هرب من بطش نظام لم يعد يشكل تهديدا له عليه ان يعود الى اراضيه. والشق الثاني ان القوات طالبت موسكو باقامة منطقة عازلة من الجهة السورية ينقل اليها المعارضين السوريين للنظام بانتظار الحل السوري للحرب.

وشددت مصادر القوات اللبنانية ان موقف حزبها ثابت حول النزوح السوري في حين هناك فريق اخر يستغل ويستثمر ملف النازحين السوريين للاسف لغايات سياسية مكشوفة ولاهداف داخلية شعبوية. وهذا الفريق هو من يبدل موقفه في تعامله مع ملف النازحين السوريين على قاعدة صيف وشتاء تحت سقف واحد حيث يدافع عن حق النازحين بالتصويت علما ان لا حق لهم بالاقتراع بما ان النازحين يتمتعون بحقوق انسانية وليس سياسية اضافة الى انه يؤيد تصويت المؤيدين للنظام السوري ولا يعترض على بقائهم في لبنان في حين يطالب بعودة النازحين السوريين المعارضين للنظام السوري الى بلدهم.

وحملت القوات اللبنانية التيار الوطني الحر والاكثرية الحاكمة في الحكومة عام 2011 الى عام 2014 للدخول العشوائي للنازحين السوريين الى لبنان مذكرة ان القوات طلبت بتنظيم دخولهم عبر مخيمات على الحدود الا ان الفريق الاخر رفض هذا الاقتراح.

وفي السياق ذاته، شددت القوات اللبنانية على ضرورة عودة النازحين السوريين الى بلادهم خاصة ان الوضع اللبناني الاقتصادي والمالي لم يعد يتحمل استمرار وجود عدد كبير من النازحين خاصة المؤيدين للرئيس الاسد والذي لا يشكل اي خطر عليهم. وطالبت المجتمع الدولي ان يتحرك ليس فقط في الدفع نحو تشكيل حكومة انما ايضا لاقامة منطقة عازلة داخل الاراضي السورية لنقل النازحين اليها.

على صعيد اخر، وحول رسالة رئيس الجمهورية الى المجلس النيابي، رأت القوات اللبنانية ان الانقسام الجاري ليس من طبيعة طائفية او دستورية بل الازمة هي مالية واقتصادية ومعيشية وبالتالي يجب حل هذه الازمة ليس عن طريق افتعال ازمات دستورية وطائفية غير موجودة بل عبر الذهاب الى انتخابات نيابية تعيد انتاج سلطة جديدة. واعتبرت القوات ان دون تجديد السلطة ستنزلق الامور من السيىء الى الاسوأ.


الاشتراكي: هناك ذهنية عند اغلبية الاحزاب ترتكز على الربح والخسارة وهذا مؤسف

من جهته، قال امين السر في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر ان النائب وليد جنبلاط اعتبر ان قول رئيس الجمهورية انه لن يكون لديه الثلث المعطل فضلا عن طرح بري التوسع الى 24 وزيراً انه حل يشكل ارضية للتفاهم بين عون والحريري. وبالتالي يرى جنبلاط ان التسوية تقضي بتقديم الطرفين تنازلات للتوصل الى تسوية وان يخطو عون والحريري خطوات الى الامام لحل الازمة. واشار ناصر الى ان كلام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لا يصب في خانة استرضاء العهد او معارضة الحريري بل كل ما يهمه ايقاف الانهيار الذي يشهده لبنان. واضاف ان توجه جنبلاط السياسي يرتكز على الاخذ بالاعتبار الواقع المعيشي والاجتماعي والاقتصادي والمالي السيء متوجها بشكل واضح للجميع بان لا يراهن احدا على ان الدول الخارجية ستأتي بحل تنهي الازمة اللبنانية اذا لم نساعد انفسنا اولا في هذا المجال. واعرب امين سر الحزب التقدمي الاشتراكي عن اسفه لعدم تقبل معظم الاطراف السياسية اي طرح موضوعي كاشفا ان هناك ذهنية عند غالبية هذه الاطراف تعتمد على حسابات الربح والخسارة وعلى المعايير التقليدية وعلى من يحقق مكاسب سياسية اكثر وعلى حسابات انتخابية ورئاسية.

انطلاقا من ذلك، قال جنبلاط للاغلبية ان هذه الحسابات اليوم غير واقعية وليست في مكانها بل الاولوية هي تشكيل الحكومة لمعالجة الازمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.