عادت الأمور الى المربع الأول على صعيد تأليف الحكومة، وسط معلومات مؤكدة، عن توجّه الرئيس المكلّف سعد الحريري ليس إلى الإعتذار، بل إلى إمكانية عقد مؤتمر صحافي أو إصدار بيان يعلّل فيه الظروف الأخيرة التي أحاطت بمبادرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ومن الطبيعي سيُحمّل رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، مسؤولية عرقلة التشكيل، واعتباره رئيس الظلّ، وربما كانت حملة الحريري هذه المرة، وفق المتابعين، أشدّ وطأة من البيان الأخير الذي تلاه في المجلس النيابي، وعليه، فإن موقف رئيس الجمهورية ميشال عون بالأمس، إنما هو أيضاً دليل على أن لا حكومة في المدى المنظور، في ظل طروحات وسيناريوهات بدأ يتم التداول بها في الأروقة السياسية، وبعضها موحى به من الخارج.

ويُنقل عن أحد المستشارين البارزين للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السفير إيمانويل بون، بأن باريس تميل إلى حكومة إنتقالية لجملة اعتبارات، أولها أن مبادرتها ترنّحت وشهدت تراجعاً كبيراً، ولم يتم الإلتزام بالتعهّدات التي قُدّمت للرئيس ماكرون خلال زيارتيه المتتاليتين إلى بيروت، وعلى الرغم من التأنيب المتواصل من قبل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، فإن أيا من المسؤولين اللبنانيين، ولا سيما المعنيين بالتأليف، لم يرف لهم جفن، أو أنهم استشعروا خطورة الإنهيار الإقتصادي القادم، وعلى هذه الخلفية، بات من الصعوبة بمكان الثقة بهذه المنظومة الحاكمة في لبنان، والبديل بات إنتاج سلطة سياسية جديدة، ومن الطبيعي ذلك يأتي وفق انتخابات نيابية ديموقراطية، وصولاً إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة إصلاحية، وفي حال الوصول إلى هذه العناوين، فإن فرنسا وسائر الدول المانحة سيدعمون لبنان كي يخرج من أزماته المتفاقمة.

من هنا، فإن باريس وخلال إتصالاتها مع الدول المعنية بالملف اللبناني، من واشنطن إلى موسكو ومعظم دول الإتحاد الأوروبي، توصّلت إلى قناعة بأن هناك إجماعا على تشكيل حكومة إنتقالية من خلال شخصية لبنانية سياسية مستقلة، أو أن تكون الشخصية من التكنوقراط أو من الحقوقيين، وإذا استدعى الأمر، لا مانع من أي رئيس من «نادي رؤساءالحكومات السابقين»، شرط أن لا يكون مرشحاً للإنتخابات النيابية، وأن يكون سائر وزراء حكومته أيضاً من غير المرشحين، في وقت تنفي باريس، وفق السفير بون، بأن يكون هذا التلميح جاء إثر استقبال الرئيس ماكرون لقائد الجيش العماد جوزيف عون، مما أعطي تفسيراً بأن ذلك له دلالات رئاسية، أو أن هناك توجّها فرنسيا ودوليا لدعم قائد الجيش بترؤس الحكومة الإنتقالية، ولهذه الغاية، فإن باريس لم تقدم على أي موقف يتعلّق أو يتناول مسألة الحكومة الإنتقالية إلا بعد أيام على زيارة العماد عون للعاصمة الفرنسية.

وفي سياق متصل، تتساءل أكثر من جهة سياسية حول دور المجتمع الدولي، ولا سيما باريس، من هذا التسويف والمماطلة على خط التأليف، وما إذا الحريري قد وضع الفرنسيين قبل توجّهه إلى بيروت، في صورة مبادرة الرئيس نبيه بري، أو أنه استشفّ نواياهم الآيلة إلى تشكيل حكومة انتقالية، لذا، فإن هذا الصراع السياسي الآخذ في التفاعل بين بعبدا وبيت الوسط، وتيار «المستقبل» و»التيار الوطني الحر»، قد يُتوّج بتصعيد غير مسبوق في الأيام المقبلة، بعدما تكون مبادرة بري قد لفظت أنفاسها الأخيرة وباتت في حكم المنتهية، لصعوبة التآلف والتعاون بين الحريري والرئيس ميشال عون، وكذلك في ظل اتساع الهوة بين الرئيس المكلّف وباسيل، وهذا بات أمر واضح.

وينقل عن بعض المراجع السياسية معلومات، قد لا تصب في خانة أي مؤشرات إيجابية خلال الفترة المتبقية للرئيس عون، حيث الفراغ الدستوري سينسحب على كل الإستحقاقات الدستورية المقبلة، وبالتالي، فإن حكومة تصريف الأعمال ستبقى حتى نهاية العهد، إلا في حال حصلت ضغوطات دولية وتسوية جدّية تنطلق من تشكيل حكومة انتقالية، وبعدها تأتي البقية من الإستحقاقات الدستورية.