الراعي طرح «حكومة الأقطاب» لأنّ «آخر الدواء الكيّ»...


لم يُعلن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بعد فشل مبادرته، فهي لم تسقط حتى الآن، رغم أنّها اصطدمت بتصعيد البيانات بين طرفي النزاع أي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري، في الوقت الذي كان يسعى فيه لترطيب الأجواء المتوتّرة بينهما توصّلاً الى التوافق على حكومة إنقاذية لمعالجة الإنهيار الذي وصل اليه الوضع في البلاد. فلم ينعِ برّي مبادرته بعد، ولم يقل إنّه أوقف محرّكاته، بحسب المعلومات، كونه لم يصل بعد الى الطريق المسدود، ولم يُقدم الحريري على الإعتذار عن التشكيل، في حين أنّ الوسائل الإعلامية قد حَسَمت توقّف هذه المبادرة وفشلها...

مصادر سياسية مطّلعة أوضحت أنّ برّي كان يُفضّل أن يقود إتصالاته وسط أجواء أكثر إيجابية، غير تلك التي شهدتها البلد أخيراً وقد وصلت الى حدّ الإنفجار أو الطلاق الكامل ما بين بعبدا وقريطم. فالأجواء الإيجابية أو على الأقلّ العادية تُسهّل مهمته، فيما التشنّج الذي يوحي بعدم وجود أي إمكانية للتفاهم يُصعّبها كثيراً. غير أنّ برّي المعروف بالإطفائي يمتلك العديد من المقترحات والمخارج التي يُمكن أن تؤدّي في نهاية المطاف الى التقارب بين الرجلين، مع الإشارة الى أنّ التوافق بين عون والحريري أسهل منه بين الحريري وباسيل لأنّ الخلاف بينهما تحوّل الى كيديات ونكايات شخصية لا علاقة للرئيس عون بها.

وأكّدت المصادر، أنّ التنسيق حاصل اليوم بين برّي والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وهو على أتمّه، ويهدف الى حثّ المسؤولين على تشكيل الحكومة سريعاً، انطلاقاً من أنّ انهيار الوضع الإقتصادي والمالي لم يعد يُحتمل، وهو يُنبىء بانفجار شعبي ضخم في الشارع، لا بدّ من تجنّبه. ولهذا جرى التمديد لمبادرة برّي التي لم تنهِ بعد مهلة الأسبوعين التي حدّدها لها، لأسبوع أو أكثر، سيما وأنّ الحريري كان في الخارج عندما جرى طرحها، وقد انتظر برّي عودته للتباحث معه في عقد تشكيل الحكومة، ولأنّه لم يستنفد بعد كلّ المقترحات.

وفيما يتعلّق بما طرحه البطريرك الراعي عن تشكيل «حكومة أقطاب»، وإذا ما كان هذا الإقتراح منسّق بينه وبين برّي، قالت المصادر نفسها بأنّ الراعي دعا الى قيام هذه الحكومة، على ما قال، «كونها قادرة على اتخاذ القرارات من دون العودة الى من كلّفهم»، لأنّه لَمَس بأنّ الخلافات ستبقى مستمرّة بين المتنازعين على هذا الوزير أو ذاك بـ «الزايد أو بالناقص». وقد أوضح وجهة نظره من دون التنسيق مع أي طرف، مذكّراً بـ «تشكيل الرئيس الراحل فؤاد شهاب حكومة من أربعة اقطاب أدّت الى قيام دولة القانون والمؤسسات». فإذا كان الخلاف اليوم سيستمرّ على الحصص والمقاعد، وعلى حكومة من 18 أو 20 أو 24 وزيراً، فليذهب الجميع الى «حكومة أقطاب»، على ما دعا، أي الى حكومة مصغّرة من الأقطاب أنفسهم لا ممّن يمثّلهم، وليقرّروا معاً كيف عليهم إنقاذ البلد.

وأشارت المصادر الى أنّ طرح الراعي قد لا يكون جديّاً، أو قد يكون أصعب من تشكيل حكومة مهمّة إنقاذيّة، إلاّ أنّه كما يُقال، «آخر الدواء الكيّ»، ولهذا يرى البطريرك أنّه على المسؤولين اجتراح السبل، وتقديم التنازلات التي تؤدّي الى تأليف حكومة في أسرع وقت ممكن لإنقاذ هذا البلد من الوضع المنهار الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. ويجد بأنّ استمرار لغة الإهانات والتعرّض للكرامات، لا تُساهم في التوصّل الى الحلّ بل الى تعطيل التشكيل، وهذا ما لا يصبّ في مصلحة لبنان اليوم.

ويتوافق برّي والراعي على أنّ لبنان على شفير الموت، ولا يجب على المسؤولين تركه يذهب الى «جهنم»، ما دام باستطاعتهم تقديم الحلول. والإصلاحات مطلوبة اليوم من الشعب في الداخل، كما من المجتمع الدولي، على ما عقّبت المصادر نفسها، وعلى المسؤولين اللبنانيين، بحسب الموفدين من الخارج أن يؤلّفوا حكومة ويعملوا على تحقيق هذه الإصلاحات برضاهم وإرادتهم، قبل أن يأتي يوماً يصبحون فيه، بفعل انقساماتهم وخلافاتهم، مرغمين على تنفيذها. ويستغرب هؤلاء مدى الحقد الذي وصل اليه طرفا النزاع، في الوقت الذي نجد فيه أنّ الدول الداعمة لكلّ منهما يسعى الى تغيير تحالفاته، فالولايات المتحدة الأميركية تتقرّب من إيران، والسعودية تنفتح عليها أيضاً، والدول الخليجية تستعيد علاقاتها الطبيعية مع سوريا.. فيما يصعب على الحريري وباسيل التفاهم أو التوافق لمصلحة البلد والشعب أولاً.

وبرأي المصادر، إنّ عدم قدرة المسؤولين اللبنانيين على تشكيل حكومة اليوم رغم كلّ الجهود الداخلية التي تُبذل، ورغم المبادرة الفرنسية وتأمين الدعم الدولي لها، ورغم التهديد بفرض العقوبات الفرنسية والأوروبية على بعضهم، ورغم مرور 10 أشهر على استقالة الحكومة التي لا تزال تُصرّف الأعمال، إنّما يشي بأنّ لبنان سيصبح دولة منهارة على الصعد كافة. وانهيار الدولة وإفلاسها لا يمرّ مرور الكرام بالنسبة للمجتمع الدولي، فقد يتدخّل مجلس الأمن عندها، ويفرض علينا الحلول.

كذلك، فإنّ التعطيل لا يشلّ البلد على مختلف المستويات فقط، على ما أضافت المصادر، إنّما يمنع على لبنان أيضاً أي دعم خارجي من الدول المانحة، العربية والأجنبية، التي تُطالب بأن يكون لديه ممثّل رسمي يتكلّم باسمه، تستطيع التعاون والتنسيق معه على المشاريع المستقبلية. وفي ظلّ حكومة تصريف الأعمال، لا يُمكن التشاور مع رئيس الحكومة المستقيل حسّان دياب كون حكومته لا تعقد الجلسات ولا تتخذ القرارات اللازمة، الأمر الذي يُحتّم تسريع ولادة الحكومة الجديدة، إذا ما كان يريد المسؤولون اللبنانيون إنقاذ بلدهم فعلاً.

وشدّدت المصادر نفسها، على أنّ برّي لا يزال يسعى الى تأمين اللقاء بين عون والحريري، والبطريرك الراعي يؤكّد على ضرورة حصول «لقاء المصالحة والمصارحة» منذ فترة ولا يزال يُطالب به، كونه هو شخصيّاً لن يُسمّي أي وزير ولا أي منصب سيتولاه، على ما جرت مطالبته، لأّنّ هذا الأمر ليس من شأنه، بل يدخل ضمن صلاحيات المسؤولين المعنيين.

وفيما يتعلّق بالإستقالات الجماعية من المجلس النيابي التي تُهدّد بها بعض الأحزاب بهدف فرض إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، قالت المصادر عينها بأنّها ليست الحلّ المطلوب اليوم، وليست بديلاً عن تشكيل الحكومة الموعودة، إذ يُمكن معالجة هذا الأمر عن طريق إجراء إنتخابات فرعية بدلاً من النوّاب المستقيلين. كما أنّه جرى اقتراح إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة للخروج من مأزق التشكيل دون أن يتحوّل هذا الطرح الى مشروع بحث داخلي وخارجي جدّي. ولفتت المصادر الى أنّ المجلس النيابي لا يزال يُعتبر المؤسسة الدستورية الوحيدة الفاعلة حالياً والكاملة الصلاحيات رغم استقالة 8 نوّاب منه حتى الآن، ووفاة نائبين.. ولهذا لا يجب المسّ به، بل العمل على تشكيل الحكومة سريعاً وإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، وعندها بإمكان الشعب الإدلاء بصوته في صناديق الإقتراع، وإحداث التغيير المطلوب لإعادة هيكلة السلطة على هواه.