عدالة السماء آتية لا محالة،فمهما طال الزمان وتمادى اسياده وتكبّر زعماؤه وتجاوزوا الحدود فإن الحساب يوم القيامة حاصل ومحتّم.

هذا الحساب ليس بيد احد من البشر، فاطمئن ايها الصديق والصالح ويا ايها المظلوم انّ العدالة هي بيد سموحة كريمة عادلة وقادرة، هي بيد الله عزّ وجلّ.

اطمئن يا ايها الانسان الصالح ان مصيرك ليس بيد البشر.

وانت ايها الشرير الظالم تذكّر دوما ان الله هو العادل القدير الجبّار، فهناك امام وجه الرب سترى العقاب وتتمنى الرحمة والثواب. الرب الديّان سينصف وقتئذ المظلومين هنا على الارض ويعاقب الظالمين فلا نجاة من العقاب، فلا تغفلوا يا ايها المستبدّون عن عدالة السماء فإن لم ينزل حكمها هنا فإنها نازلة بعد حين لا محالة، هناك.

ان عدالة السماء تتجلّى بأمور شتّى، فالظالم سيظلم، والقاتل سيهلك والسارق سيدان والكاذب سيواجًه بالحق والحقيقة والمفتري والغاصب سيذوق مرارة كأس الشرّ الذي اشبع آخرين منه على الارض.

اذا عدنا الى التاريخ فإنه من الواضح ان العدالة الدنيوية مرّت عبر العصور بشتى انواع الانحطاط والتخبط واللاعدل.

كلنا يعلم عن الكثيرين من الزعماء الذين عرفوا بالشراسة والوحشية والظلم، وانه في صفحات التاريخ قصص عديدة ووقائع مثبتة لزعماء فقدوا انسانيتهم وفعلوا بشعوبهم وبالانسان عامة ابشع الافعال. فهتلر وبول بوت وجنكيزخان وجوزيف ستالين وغيرهم قد ابدعوا في اجرامهم ودمارهم وتعذيبهم وغزوهم وحروبهم وديكتاتورياتهم غافلين انه في سكون ليل قاتم حالك سيرحلون وسيواجهون عدالة السماء حيث لا ينفع الندم ولا البكاء ولا صريف الاسنان.

هذه هي الحقيقة المجرّدة عن كل الاشياء، الحقيقة الساطعة كالشمس لا يغفل احد عن رؤيتها ولا ينأى آخر عن سماع مطرقة العدالة فيها ولا مناص عن رؤية الرب الديّان قاضيها، ولا هروب من دينونته.

عند المسيحية ان كلمة الله عن الدينونة تجلّت في انجيل القديس متى فالدينونة الاخيرة ستكشف الخير الذي فعله كلّ منا وسيظهر كل تقصير او اهمال او تكاسل فعلناه في حياتنا وستوضع تحت المجهر كل آثامنا وخطايانا وشهواتنا وكل اعمالنا الصالحة والطالحة.

لأنه جاء في انجيل لوقا: «ليس خفيّ لا يظهر ولا مكتوم لا يعلم ويعلن».

فإن كنت صالحا خيّرا رحوما وديعا صانعا للسلام فإنك ستكافأ وستذهب الى الحياة الابدية وتعاين وجه الله.

اما اذا كنت شريرا ظالما متكبّرا فستذهب الى العذاب الابدي حيث الهوّة كبيرة وبعيدة عن السماء.

عند الاسلام ان الطريق الى الفردوس يمرّ بأبواب الجحيم عبر صورتي الميزان والجسر، فميزان الدينونة يزن الاعمال الصالحة للمسلم مقابل اعماله الشريرة ويحاسب حسب النتيجة وتظهر الدينونة في الآية الكريمة:

«والوزن يومئذ الحقّ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون» اما صورة الجسر فهي المرحلة الاخيرة قبل العبور الى الجنّة او النار فالمسلمون حسب معتقدهم يأتون في النهاية الى جسر رفيع وسيعبره الصالحون بسرعة وامان،اما الذين خالفوا تعاليم الشريعة فسيسقطون في لهيب جهنّم.

اذا نرى ان مقاربة هذا الموضوع تختلف من دين الى اخر فهناك اتفاق في الشكل في نقاط معينة واختلاف في نقاط اخرى وهنا لا مجال للمقارنة العميقة والغوص في جوهر كل دين وكيفية نظرته الى هذا الموضوع. لكن الثابت الوحيد عند كل البشر هو ان العدالة في السماء هي حقيقية وان الرب الخالق هو الديّان وهو صاحب العدالة المطلقة وهو القادر على محاسبة أبنائه ان كان ثواباً أو عقاباً.

في هذه الأزمنة كلنا يدرك انه لا وجود للعدالة على الأرض، وهذا ما يُغضب الربّ، فالقتل والزنى والسرقة والشهوة والكذب وعبادة المال هي في المقدمة وأن مشروع الله على الأرض ليس في أولويات أبنائه، وكلنا يرى الحروب والكوارث والامراض التي نواجهها، وهذا جزء من قصاص الربّ، فلنتعظ اذاً ونعي مسؤولياتنا في هذه الحياة وندرك مشروع الرب فينا.

فلنبادر ونسأل أنفسنا:

ما هي نقطة الانطلاق الصحيحة في الحياة؟

كيف أسير الى ربّي سيراً صالحاً؟

ماذا يريد الرب منّي؟

ماذا يريد الرّب لي؟

كيف أعبر الى ملكوته؟

ماذا عساي أن اكون على الأرض كي اواجه عدالة السماء بدون خوف؟

أسئلة عديدة تُطرح وتساؤلات كثيرة تخالجنا وهموم الحياة والدنيا تأخذنا الى ملاعبها وشهوات الارض البائدة تلهينا عن الجوهر والحقيقة، فإن الحقيقة ليست هنا، بل عند الله عزّ وجلّ، وأن عدالة السماء تنتظرنا، فلا مفرّ من هذا اليوم.

أخيراً يمكنني القول بأن أسمى ما يصبو اليه البشر أن يكونوا على شراكة مع الله، فالشوق الى هذه الشراكة حاجة كيانيّة فهو الآب ونحن أبناؤه وحاجتنا هذه تتجلّى في أن نقيم في حضن الآب،وعندما نقيم في حضن الاب فاننا نعيش حباً مطلقاً وندرك خلاصنا.

عدالة السماء تبدأ على الأرض فلنخلّص أنفسنا!