لم تعد حكومة الاخصائيين تعني لباريس شيئًا. اصلا منذ انطلاق رئيس الحكومة سعد الحريري بعملية التأليف واطلاع الفرنسيين على مجريات العملية، أيقنوا ان امانيهم في ضفة والواقع في ضفة اخرى. غريب كيف ان فرنسا، الام الحنون لا تعرف الكثير عن ابنها لبنان وعن تركيبته التي يصعب تجاوزها بطروحات اقرب ان تكون للمثالية. فاذا كان انفجار بحجم انفجار مرفأ بيروت لم يؤد لتنحي الاحزاب الحاكمة منذ عشرات السنوات عن السلطة، ولم يؤد لاستقالة او محاسبة مسؤول كبير واحد، كيف اعتقدت باريس لوهلة انها قادرة ان تفرض حكومة من اخصائيين غير حزبيين؟

اصلا منذ فرض الحريري نفسه رئيسا مكلفا بديلا عن مصطفى اديب الذي احبط مهمته عن سابق تصور وتصميم، وقبل الفرنسيون بالامر الواقع، انتهت عمليا مبادرتهم باعتبارها أفرغت من مضمونها، فكيف يكون ابرز السياسيين على رأس حكومة مستقلة؟ في حينها أقنع رئيس المجلس النيابي نبيه بري حزب الله بوجوب السير بالحريري للاعتبارات نفسها التي ادت للسير به في السنوات الماضية، لكنه ودون شك لم يتمكن من اقناع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل بذلك، فالرئيس ميشال عون وباسيل رفضا الموضوع منذ البداية وحاولا التصدي له من خلال تأخير موعد الاستشارات النيابية ومن بعدها من خلال مناشدة ضمائر النواب، ولكن دون جدوى . سار «الثنائي» على مضض بالتكليف الذي فرض عليه فرضا، لكنه وبعد مرور اكثر من ٨ اشهر يرفض تقديم المزيد من التنازلات...

يتابع الفرنسيون كل ما يحصل عن كثب. قد يزداد اهتمامهم في بعض المراحل، لكنه ما يلبث ان يتراجع . فخيبات الامل المتواصلة التي منيت بها باريس لبنانيا، غير مسبوقة لحد باتت تعتبر الملف محرقة لها. وبحسب المعلومات، «كل ما بات يعني الادارة الفرنسية اليوم تشكيل حكومة، ايا كانت هذه الحكومة، حكومة اخصائيين، سياسيين، تكنوقراط، تكنوسياسية، حكومة اقطاب، حكومة انتخابات، كل ذلك لم يعد يهمها كثيرا، من منطلق ان كل ما تريده ان تخرج من هذه المحرقة بحد ادنى من الخسائر الديبلوماسية، بعدما باتت على يقين ان ايا كان شكل الحكومة، فبالمضمون ستكون قطعة جبنة تتقاسمها الاحزاب والطوائف، شاء من شاء وأبى من أبى. واذا كان هناك من يسعى حقيقة لتغيير هذا الواقع، فالحريّ به العمل على تغيير النظام».

ليس خافيا ان الفرنسيين بحثوا بذلك مع الكثير من القادة اللبنانيين وشخصيات في المجتمع المدني الا انهم على ما يبدو تراجعوا عن الدفع في هذا الاتجاه بعدما ايقنوا ان الارتطام بات وشيكا وان الحكومة الجديدة ستكون اشبه باسفنجة تمتص ولو قليلا من حدته، على ان يتم بعد الانتخابات وضع طرح تغيير النظام او تعديله مجددا على الطاولة. 

حاولت باريس مساعدة الحريري بالتوسط له لدى المملكة العربية السعودية، لكن اكثر من محاولة في هذا المجال باءت بالفشل. هي لم تستسلم الا منذ وقت قصير، لعلمها بأن غياب الرضى السعودي يجعل الرئيس المكلف مترددا كثيرا بانجاز عملية التشكيل لاقتناعه بأن مصير حكومته سيكون الفشل بغياب الدعم العربي والدولي.

اليوم تعوّل باريس كما فرقاء لبنانيين عدة بأن يستسلم الرئيس المكلف للواقع الحالي، فاما يشكل ويواجه مصيره او يعتذر ويترك المجال لشخصية اخرى لتجرّب حظها، خاصة وانه بات واضحا ان الرياض تدفع بالسفير السابق نواف سلام بديلا عن الحريري، فيما يدفع عون بالنائب فيصل كرامي لتولي المهمة.

لكن وطالما «الثنائي الشيعي» أمل- حزب الله متمسك بالحريري، فلا احد قادر على الاطاحة به. في كل الاحوال، وبغض النظر عن الاسباب والخلفيات يبقى الافق الحكومي مقفلا، والايجابية التي اشيعت الاسبوع الماضي تبين انها لم تكن الا سراب!