تثبيت سعر الصرف مطلب لعودة الدواء...

كُتب على المواطن اللّبنانيّ أن يولد من رحم الأحزان والمشاكل والهموم في بلدٍ أقفل أبوابه على أعتاب استسلام كامل شمل جميع الأصعدة، وأسوأها كان الأزمات الصحية التي حطّت رحالها في الصيدليات الخالية من الأدوية... فحُتّم على اللّبنانيّ أن يعيش مع مرضه وأوجاعه...

بات الدواء لدى المواطن همّاً يضاف إلى سلسلة الهموم المعيشية، في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة، تشهد تقلبات حادة في سعر صرف الدولار الذي سجل أرقاما قياسية غير مسبوقة أمام الليرة اللبنانية، وذلك في بلد قائم أساساً على الاستيراد... ليدخل تعبير «الاستيراد» في خانة الكلمات المحذوفة من قاموس لبنان، خاصة استيراد الدواء الّذي ارتبط بارتفاع سعر الصرف من جهة، وبتحايل التجّار وشركات الأدوية من جهة أخرى، ليبقى المواطن كبش المحرقة الوحيد في سجلّ الخلافات الإقتصادية – التجارية والسياسية حتماً!

الا أن اللبناني لا يزال قادراً على التأقلم مع الأزمة، وبرغم عدم وجود ضوابط صارمة في ما يتعلق بتنظيم سوق الدواء من قبل الدولة اللبنانية، ثمة ترتيبات غير نظامية باتت مطبقة من قبل الصيدليات وشركات الأدوية لمنع تفاقم الأمور، خصوصا بعدما شهدت الفترة الماضية ظاهرتان أسهمتا في فقدان العديد من الأدوية من السوق:

- الأولى عمليات التهريب إلى الخارج، لا سيما أن الدواء ما زال حتى الآن مدعوماً بسعر الصرف الرسمي للدولار (1515 ليرة لبنانية) ما يوازي ثمن أو حتى عشر سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية.

- الثانية تهافت الناس على تخزين الأدوية في منازلهم خوفاً من انقطاعها وتحسبا لرفع الدعم عنها.

هذه الترتيبات يمكن وصفها بأنها «تقنين غير رسمي»، حيث تقوم شركات الأدوية بتسليم كميات محدودة من الدواء». هذا ما جاء على لسان أحد الصيادلة الّذي استرسل بحديثه مع «الديار» عند زيارته بحثاً عن دواء معيّن.

الأزمة ليست بسيطة، وإمكانية معالجتها «على الطريقة اللبنانية»، وهي العبارة التي تدل على قدرة اللبنانيين على التعامل مع الأزمات، لم تعد ممكنة، خصوصاً مع اتساع قائمة الأدوية التي فقدت تماماً من السوق.

} نقيب مستوردي الأدوية: الحل

بتثبيت سعر صرف الدولار }

يقول نقيب مستوردي الأدوية في لبنان، كريم جبارة لـ «الديار»، إنه «طالما مصرف لبنان ما زال قادراً على تأمين الدعم والعملات الصعبة، وطالما ما زلنا قادرين على الاستيراد، يمكن استمرار تأمين الدواء إلى لبنان، لكن المشكلة تكمن في أن المصرف المركزي يتأخر في هذه العملية حالياً التأخير ناهز الأربعة أشهر، وذلك بسبب شح العملة الأجنبية التي في حوزته. كذلك، هناك خوف من تأثيرات حالة الهلع عند الناس، الذين يتهافتون على شراء الأدوية بغرض تخزينها في منازلهم».

ويضيف جبارة «نحن في حاجة إلى وضوح في الرؤية، بحيث نكون على علم بما يمكن القيام به على مدى عام على الأقل، لكي نحدد وجهة عملنا خلال الأشهر المقبلة، أو حتى نهاية العام الحالي، فهل سيستمر العمل على أساس السعر الرسمي أو على أساس خطة ترشيد الدعم»، مشدداً على أن «غياب الرؤية هو الذي يخلق حالة هلع وعدم استقرار».

ويشدد جبارة على أنه «لم يعد مقبولاً أن يبقى العاملين في قطاع الدواء، من صيادلة ومستشفيات وشركات استيراد، في وضعية الحصول على مدخولهم من سعر الدواء على أساس سعر صرف الدولار المحدد بـ1515 ليرة لبنانية، في حين أن سعر صرف السوق السوداء قد وصل إلى 13,000 ليرة لبنانية، فمدخولهم لم يعد يغطي نفقاتهم التشغيلية».

} صرخة الصيادلة تتصاعد... }

من جهته، يقول جورج شاهين ، وهو صاحب صيدلية لـ «الدّيار» إن الوضع سيىء في كافة المجلات، ونحن الصيدليين خصيصاً نعاني منه»، ويضيف «نحن نعاني من نقص كبير في المخزون، ففي السابق كان لدى الصيدليات احتياطي من الأدوية، ولكن في الظروف الحالية وفي ظل النزيف القوي والتقصير في تسليم الأدوية، فإن الصيدليات قد استنفدت احتياطاتها، فنحن نعاني من مشكلة نقص الأدوية أولاً، وهو الأمر الذي نعاني أشد المعاناة منه، بالإضافة إلى الأصناف التي فقدت من السوق نهائياً».

ويشير إلى فقدان دوائي «الديكساميثازون»، و»اللوفينوكس» وغيرها من الأدوية المهمة، ومنها متعلقة بوباء الكورونا وخاصةً الحالات الصعبة. وهناك أيضاً أدوية لمعالجة ضغط الدم مفقودة. أما الأدوية الأخرى، مثل «بلافيكس» (دواء قلب)، فيتم تسليمنا ثلاث علبٍ بالشهر فقط، في حين أن عدد الزبائن يتخطى العشرة أشخاص، وأنا أتكلم عن نفسي كصاحب صيدلية صغيرة»، لافتاً إلى أن «هناك الكثير من الأشخاص الذين ينتهي بهم المطاف دون حصولهم على الأدوية».

كما يرى شاهين أن «الوضع في لبنان سيئ للغاية، والجميع يعاني من وطأة الأزمة، من المواطن إلى الصيدلي. أما رفع الدعم، فسوف يدفع ثمنه المواطن والصيدلي معاً»، موضحاً «من الممكن أن يخفف رفع الدعم العبء المادي على الصيدلاني قليلاً، ولكن هل سيبقى المواطن قادراً على الشراء؟».

أصحاب شركات تصنيع الأدوية واستيرادها يهتفون للخلاص!

من جهته، يقول إلياس حنا أبو كرم، وهو صاحب شركة «كرم بارا فارماسوتيكالز» لاستيراد وتوزيع المواد شبه الطبية إن «عدد الشركات التي تتعامل باستيراد الأدوية المدعومة قلت بسبب عدم توفر الدولار في السوق والدعم الكافي من قبل السلطات، مما انعكس على توفر الأدوية المدعومة في السوق»، ويشير إلى أن هناك شقين للأزمة:

- «الأول : الوضع الاقتصادي، فليس من الممكن تسعير الأدوية للصيادلة كما في الماضي، وتحديداً تصريف كل البضائع من الدولار على الليرة اللبنانية، وذلك نسبةً لانخفاض في قدرة المواطن الشرائية، بحيث بات غير قادر على تحمل هذه الأسعار، ويؤدي ذلك تلقائياً إلى انخفاض كبير في ربح المورد، وكذلك ربح الصيادلة الذين يصبحون مضطرين على تقليل شراء الكميات اللازمة من البضائع»، وإذا كان المواطن في السابق قادراً على شراء علبة دواء أو اثنتين، فهو اليوم غير قادر على شراء ظرف واحد.

- الثاني: يتعلق بقدرة الصيدليات على الاستمرار، لا سيما أن نقيب الصيادلة قد دق ناقوس الخطر حين كشف عن أن 600 صيدلية قد أغلقت أبوابها في لبنان، كما أن هناك المزيد من الصيدليات التي تواجه الإفلاس».

وفي هذا الإطار، يقول أبو كرم «للأسف هناك صيادلة أغلقت أبوابها بعدما ازداد وضعها سوءاً. ومن ناحية ثانية، نحن كشركات غير قادرين على تسليم الكميات المطلوبة من قبل الصيدليات، لأنه ليست لدينا القدرة على تلبية الطلب، وذلك بسبب عدم توفر البضائع لعدم قدرتنا استيراد الكميات الكافية في ظل أزمة الدولار. كذلك فإن ربح الصيادلة قد انخفض بسبب عدم قدرتها على تأمين البضائع وبيعها، فالصيدليات تعمل على أساس سعر الصرف الرسمي، أما السوق فيعتمد على سعر الصرف الفعلي (في سوق الصرف الموازية) فإن حدثت مشكلة ما، وأبسطها تعطل سيارة النقل، وصيانتها بالدولار، وسعر صرفه في السوق الموازية الّذي يواصل ارتفاعه».

وكيف يتصرف أصحاب الصيدليات في هذا الوضع؟ السؤال يبدو صعباً، إذ لا يجد أبو كرم ما يقوله سوى عبارة «الصبر، لا أكثر ولا أقل!».

يبقى على المواطن أن يطلب حبّة الشفاء السحرية من السياسيين والزعماء في علبة «الحكومة» غير المستوردة حتّى اليوم أيضاً وغير مُصنّعة محلياً... فهل يطول الإنتظار والوجع...؟