المحامي ناضر كسبار

القضاة والمحامون...مواقف وطرائف 


السلاح بيد الازعر يؤذي، يجرح، يقتل. مثل قديم جديد، يضاف اليه ان هذا السلاح ايضاً يؤدي النتائج ذاتها اذا كان بيد ولد او انسان غير مدرك وغير مسؤول.

ويجد هذا المثل مفعوله في هذه الايام مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت سلاحاً خطراً بيد كل شخص، مسؤولاً كان او غير مسؤول. يكتب ما يشاء ويقدح ويذم ويشهر بمن يشاء، دون حسيب او رقيب، وخصوصاً انه من خلال متابعتنا لما يُكتب، هناك مجال يومياً لعشرات، لا بل لمئات الملاحقات القضائية، ولكن ما النفع من إرهاق القضاء بالشكاوى بعد ان يكون اللي «ضرب ضرب واللي هرب هرب».

فبعد التشهير وبث الاخبار الكاذبة وانطباع صور معينة في اذهان الناس، ما النفع من صدور احكام بعد سنوات؟ هذا مع العلم ان معظم من تتناولهم جرائم الذم والقدح والتشهير والاخبار الكاذبة ينأون بأنفسهم عن الرد لانهم، كما يقال بالعامية «هم يصغرون ويكبرون الآخر». فلا نتوقع ان يدخل شخص مرموق في جدل مع اشخاص سخفاء لا حيثية لهم الا التبجج وحب الظهور.

واكثر من ذلك، فإن الاخبار الكاذبة قد تؤدي الى مشاكل ونزاعات لا تحمد عقباها. والمثل الاقوى ما حصل في الهند حيث ذهب عشرات آلاف الضحايا بسبب خبر كاذب ادى الى نشوب معارك ضارية في احدى البلدات.

* * *

} بوابة برلين }

العام 1981 ذهب المحامي طانيوس رزق اكثر من مرة لزيارة الزميلة افلين، وكان المنزل الذي تقيم به محاطاً بتصوينة وله ثلاثة ابواب خارجية: في التصوينة، ثم عند اول البناء، ثم عند الباب الخاص بالمنزل. وهذا الاخير مغلق وله قفل خارجي اضافي. وعند كل باب زر كهربائي. فلم يجد احداً وترك هذه الابيات:

سكوره واقفال وازرار

وحيط مصون بدرابزين

ثلاث بواب كبار زغار

بيحمو بيتك يا افلين

تمنيت ولنو شي نهار

شوفن مرة مفتوحين

دخلك هذا مدخل دار

يما بوابة برلين؟

* * *

} الشغل العام والعمل الجدي }

كان رئيس هيئة التشريع والتحديث في مجلس النواب المحامي اوغست باخوس يتمتع بنشاط دائم وثقافة عالية. فهو يتابع مواضيع متعددة مثل اللامركزية الادارية، والاملاك العامة على مختلف انواعها. والبلديات وغيرها، ويشجع كل من يتعاطى الشغل الوطني العام.

وفي هذا المجال، استمع الى مقابلة على احدى شاشات التلفزة مع احد رؤساء البلديات في الثاني والعشرين من تشرين الثاني 2003، يتكلم فيها عن اهم انجازاته، فأرسل له البرقية الآتية:

السيد سميح حلال، رئيس بلدية حبوش، قرب النبطية، منذ يومين اعجبتني اطلالتك على الشاشة.

قرأت على محياك الاخلاص والمرونة والصدق والشجاعة في العمل البلدي. ومن واجبي التشجيع، لما عندي من خبرة في مجال البلديات، الامر الذي يشجعني على الالحاح والمطالبة بتعميم البلديات الالزامي في البلاد.

تحيتي لك ورفاقك.

* * *

} كل واحد بياخد صندوقو معو }

من المعلوم ان التصويت في صناديق الاقتراع في نقابة المحامين في بيروت كان يتم حسب احرف الابجدية بحيث توزع الصناديق من الحرف أ حتى الحرف ياء، وفي عهد النقيب الاسبق شكيب قرطباوي اصبح يتم توزيع الصناديق حسب ارقام المحامين المسجلين في النقابة بحيث ينتخب في الصندوق رقم 1 المحامون الاقدم.

وفي جلسة انتخاب النقيب واعضاء مجلس النقابة في 16 تشرين الثاني 2003 سأل المحامي سامي عون رحمه الله عن الصندوق الذي سينتخب فيه فافيد انه في الصندوق رقم2. فضحك. وعندما سئل عن السبب قال:

منذ عدة سنوات انتخبت في الصندوق رقم 4 وفي السنة الماضية في الصندوق رقم 3 وهذه السنة في الصندوق رقم 2 وسكت.

وعندما سئل ولكن لماذا تضحك؟ ...اضاف:

لانني سئلت وماذا بعد الصندوق رقم 1 فاجبت كل واحد بياخد صندوقو معو.

* * *

} بولس سلامة القاضي الحريص

على كرامة الناس }

في مقابلة اجراها معه الاعلامي حميد طربيه في «المجلة العربية» في العام 1994، يقول المحامي رشاد سلامة، إبن القاضي والشاعر بولس سلامة ما يأتي: يقول والدي في احد مؤلفاته انه دخل القضاء فقيراً، وخرج منه مديوناً. وهذا يعني النزاهة التي يجب ان يتحلى بها القاضي، فيترفع عن حاجاته، ويمارس رسالته دون السؤال عن كسب سوى ما يتقاضاه من مرتبه الوظيفي. هذه الصورة عن القضاء بقيت ملازمة لبولس سلامة الى درجة اصر علي معها لان انضم الى السلك القضائي، الذي له فيه تاريخ مجيد وناجح، ولولا بعض الصدفة لكنت اخترت القضاء طريقاً لكنني استبدلت ذلك بممارسة مهنة المحاماة كونها مهنة حرة.

يحضرني هنا ما كان يردده والدي لمناسبة تعيينه محققاً عدلياً. ومعلوم ان سلطة المحقق، وصلاحياته هي اوسع صلاحيات تعطى، لان المحقق يعكف على دراسة ملفات قضايا تتعلق بالمدعى عليه في حال الجنحة او بالمتهم في حال الجناية، كما يتمتع قاضي التحقيق بسلطة التوفيق. فعندما عين والدي محققاً عدلياً طلب ان يدخل السجن لمدة 24 ساعة، كسجين، ليعيش عملياً حالة الموقوفين والمسجونين، وليكوّن فكرة عملية عن ذلك، ليدرك معاني قرار التوقيف والسجن. احب ان يعرف ما معنى ان يعاني انسان في السجن اسبوعاً او شهراً او سنة او اكثر، بقصد ان تكون لهذه الصلاحية المهابة التي يجب ان يحترمها القاضي، فلا تصبح هذه الصلاحيات «اعتيادية» ولا يكون القاضي غائباً عن واقع السجين، واقع حرمان الانسان من حريته.

اذن كان بولس سلامة القاضي ذلك الانسان الحريص على كرامة الناس، وقد خرج من القضاء بسبب مرضه المتمادي، ناصع الجبين وطاهر الكف.