فصل جديد من «مسرحية» الاذلال الممنهج للبنانيين تتكرر على نحو «مملّ» ومثير «للغثيان»، ثمة جهات تعمل على خلق المشكلات الاقتصادية والمعيشية تدفع بالمواطنين الى «الكفر» بواقعهم المرير، ثم تجد الحلول «الظالمة» والموقتة للازمات المفتعلة فيرضخ الناس «خانعين» مستسلمين لقدرهم لان «القرقشة افضل من الجوع». وهكذا بعد السرقة الموصوفة للودائع «وتمنين» المودعين بوعود مشروطة لسحوبات محدودة من ودائعهم، وبعد الحل الموقت لازمة الدواء، ثمة وعد بانفراج  موقت وغير مؤكد لازمة المحروقات، بعدما ادت «طوابير الذل» دورها في تهيئة اللبنانيين للانتقال الى مرحلة رفع الدعم حيث سيتأقلم معه اللبنانيون وفق المثل الشائع «هين فلوسك ولا تهين نفوسك». والى ان تنتهي هذه الدوامة «السخيفة» دخل صندوق النقد الدولي على خط «نعي» الاجراءات المالية المتعلقة بالسحوبات بالدولار والكابيتال كونترول، فيما لا تزال الحسابات الشخصية والضيقة تحول دون التقدم في مفاوضات تشكيل الحكومة، ويخوض كل من الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس تكتل «لبنان القوي» جبران باسيل « لعبة» هدر الوقت بانتظار تطورات داخلية وخارجية تسمح لهما بتعزيز وضعهما السياسي والانتخابي، وهو امر يدركه جيدا «الثنائي الشيعي» الذي يحاول «ملء الفراغ» بحراك غير مجد حتى الان، ودون اوهام كبيرة...

في هذا الوقت توحي العودة الى الاستثمار في «الشارع» مع عودة اقفال طرقات حيوية، و»التراشق» الاعلامي الممنهج بعد هدنة «هشة» بان الامور تتجه نحو الاسوأ حيث يسعى طرفا النزاع الى دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الى نعي مبادرته، لكن لا احد منهما يريد التورط علنا «بدماء هذا الصديق»... وهذه الصورة القاتمة عبّر عنها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي اكد التمسك بحكومة إصلاح في لبنان وبخارطة الطريق التي اقترحتها فرنسا، لكن اللافت كان اعلانه عن توجه فرنسي لإنشاء نظام تمويل دولي يضمن استمرار عمل الخدمات العامة اللبنانية في حال حدوث أي اضطراب سياسي في البلاد! وقد اكدت اوساط دبلوماسية ان كلام الرئيس الفرنسي ليس من فراغ بل نتيجة معطيات فرنسية جدية تتحدث عن تطورات مقلقة على الساحة اللبنانية تقتضي استجابة سريعة من المجتمع الدولي لمنع انزلاقه نحو فوضى ستؤثر سلبا على اوروبا. وتجدر الاشارة الى ان هذا الكلام اطلق بعد استماع ماكرون لتقييم «سلبي» قدمه قائد الجيش العماد جوزاف عون في زيارته الاخيرة الى باريس.

 سقوط الهدنة «الهشة»؟

حكوميا، لم يقدم الرئيس المكلف سعد الحريري اي اجابات على هيكلية حكومية وضعت كمسودة في اجتماعات «البياضة»، وهذا الامر يعكس الاجواء السلبية في «بيت الوسط» التي ترى ان الامور عادت الى «نقطة الصفر»، او الاصح انها لم تغادرها، وثمة مؤشرات على بداية نهاية «الهدنة» «الهشة» مع فريق رئيس الجمهورية حيث نقل زوار رئيس الحكومة المكلف عنه «سخريته»من محاولة رئيس تكتل لبنان القوي جبران باسيل تكريس بعض الاعراف التي وصفها بانها مثيرة «للشفقة»، وقال ان ثمة «حالة مرضية» غير قابلة للشفاء عند باسيل، فهو يحاول فرض «معادلة» سياسية جديدة عنوانها «البياضة» مقابل «عين التينة» و»بيت الوسط» «وبعبدا»، من خلال الايحاء ان الامور «تطبخ» حكوميا في «دارته»، وانه هو المعني الاول والاخير في اعطاء «الضوء الاخضر» من عدمه، وهذا عرف لا يمكن ان اقبل به، والجميع يعرفون ذلك، ولا اعرف لماذا الاصرار على المضي في اضاعة الوقت؟

 «الحلقة المفرغة»

ووفقا لهؤلاء، اكد الحريري انه ليس معنيا باي تفاوض يجريه الاخرون مع باسيل، لانه لم يكلف احدا بذلك، واي عملية للتفاهم حول الحكومة تتم فقط وفقا للدستور مع رئيس الجمهورية في بعبدا، ومن غير المفهوم لماذا الدوران في «حلقة مفرغة» فقط لاعطاء جبران دور واعادة تعويمه سياسيا؟!..

 «اوهام واكاذيب»

ووفقا للحريري لا شيء جديدا حكوميا، وما يروجه باسيل ومصادره مجرد «اوهام» كاذبة لكسب الجمهور واللعب على «عواطف» من تبقى له في «شارعه» للايحاء انه اعد فرض نفسه كمحاور رئيسي في الملف الحكومي رغما «عني»، وهذا الامر مجرد اكاذيب لن تنطلي على احد، والامور لن تصل الى اي مكان اذا استمرت الامور على هذا النحو، «عمال يضيعوا وقتهم وقت اللبنانية في البياضة خليهم يتسلوا»...! موقفي واضح، والرئيس بري يعرفه جيدا، كما يعرف «مراوغات» باسيل المعتادة، ولن اتخلى عن ثوابتي...

 الهروب من التشكيل

في المقابل اعتبرت اوساط «ميرنا الشالوحي»، ان اتهامات بيت الوسط لباسيل بانه ينصــب نفســـه رئيســا للجمهورية، يكشف حقيقة طريقة الرئيس المكلف في ادارة الملف الحكومي والتي تُظهر بما لا يرقى اليه شك انه تخلى عن دوره في التشكيل ويبــحث عن حجــة لعدم ابصار الحكومة النور، ويحاول الهروب الى الامام للتعــمية على الحقيقة اما خوفا من وضع داخلي يخشــى ان ينفجر في وجهه او من شــيء ما في الخــارج؟

واكدت المصادر ان النائب باسيل لم يسع يوما الى اجراء مشاورات لا في البياضة ولا في غيرها، وهو تحفظ على الطرح لكنه قبل حرصا على انجاح مبادرة الرئيس بري، لكن الحريري يبحث عن ذريعة لاحباط عملية تشكيل الحكومة، رئيس الجمهورية سيستمر بمقابلة السلبيات بالايجابية، لكنه في مرحلة تقييم الوضع بما يملك من صلاحيات ولن يبقى في موقع المتفرج الى ما شاء الله، لا سيما بعدما بدأ الحريري يلعب على الوتر الطائفي لشد العصب الطائفي والمذهبي وكأننا عشية الاستحقاق الانتخابي.

 ما هي الايجابية الوحيدة؟

في المقابل تجد اوساط «الثنائي الشيعي» ان الإيجابية الوحيدة حتى الان  تتمثل في الإبقاء على مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري  على «الطاولة» لان الحوار وان كان غير مباشر، افضل من «القطيعة»، لكن هذه المراوحة لن تستمر الى ما لانهاية، وبري لن يسمح باستمرار «المراوغة» الى ما  لا نهاية خصوصا ان العقد الرئيسية «لا تزال عالقة من دون حل».

رهانات الحريري؟

في المقابل، تحدثت مصادر سياسية عن عدم «استعجال» الحريري لحسم الملف الحكومي بانتظار تبلور الموقف الخليجي من عدة ملفات وفي مقدمتها العلاقة مع سوريا، والمحادثات الايرانية- السعودية، واشارت الى انه يظن بان «لعبة» الوقت تعمل لصالحه خصوصا ان قرار «الاعتذار» عن التكليف سيصبح فعالا اكثر مع الاقتراب من الاستحقاقات الانتخابية، ولهذا كلما تم «حرق» المراحل خسر الرئيس عون المزيد من الوقت من عهده حيث لا يريد الحريري ان يسجل له اي نجاحات تذكر يمكن ان «يورثها» لخليفته المفترض، ولهذا التركيز ليس على تشكيل الحكومة بل على القضاء على اي فرصة رئاسية محتملة للنائب جبران باسيل، ولهذا يسعى الرئيس المكلف للابقاء على «الجرح» الحكومي نازفا مراهنا على فرض نفسه مجددا الاول لدى الطائفة السنية انتخابيا، وهو يحتاج «لعدو» لمقارعته وليس للدخول في تسوية جديدة مع العهد يستفيد منها خصومه للهجوم عليه والتسويق انه «رضخ» مجددا لشروط باسيل الذي يساعده عن قصد او غير قصد عبر طريقته الاستفزازية في التسويق للمفاوضات الحكومية...

 «الرقم الصعب» سنيا!

وفي هذا الاطار يعتقد الحريري ان «الطريق» ليست معبدة بعد امام استعادة دمشق لعلاقاتها مع الرياض، ما يجعل وجود منافسين له على المستوى الحكومي مجرد «تهويل» غير جدي حتى الان، الترويج للنائب فيصل كرامي، وهو يعتقد ان الوقت لا يزال لصالحه وسيبقى «رقما صعبا» يصعب تجاوزه باعتباره جزءا من الاستقرار الداخلي وخصوصا العلاقة الشيعية- السنية، ولهذا يحافظ على علاقات ممتازة مع الرئيس نبيه بري، ويتمسك «بالمساكنة» مع حزب الله مراهنا على عودته شريكا طبيعيا لاي تسوية مفترضة في الاقليم.. .

  العلاقات السورية- السعودية؟

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات السفيرالسعودي لدى الأمم المتحدة عبد الله المعلمي حول التطبيع مع النظام السوري، لتبرر رهان الحريري على الوقت، فعندما سئل عن الاخبار التي تتحدث عن قرب عودة العلاقات مع النظام السوري، قال» إنها مجرد ادعاءات يطلقها النظام لتحصيل مباركة لوضعه الراهن، وإنه لا مجال لأي علاقات قبل أن يتخذ الأسد فوراً «خطوات»، دون ان يحدد ماهية هذه الخطوات. ولهذا يفضل الحريري الانتظار وعدم «حرق المراحل» علّه يستفيد من حضوره على الساحة السنية لاعادة فرض نفسه «رقما صعبا» على السعوديين الذين سيعتبرون الساحة اللبنانية مجرد تفصيل صغير بعد التفاهم مع طهران ودمشق، وهو يعتقد انه سيعيد انتاج حضوره السياسي في غياب اي بديل جدي «ينافسه» سنيا.!

 باسيل واستراتيجية «المخاطر»

في المقابل، يعتقد باسيل انه سيزداد قوة فور انتهاء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول الملف النووي، ويرى في عودة سوريا الى دورها العربي انتصارا لخياراته. ولهذا فهو يركزعلى الانتخابات النيابية ليعود ممثلا لاكبر كتلة مسيحية تمهيدا لفرض نفسه مرشحا وحيدا للرئاسة، وهو يعتمد استراتيجية محفوفة بالمخاطر لانه يمس بالعلاقة مع حزب الله مجددا!

وفي هذا السياق، كان لافتا خروج حملة ممنهجة لانتقاد حزب الله من قبل قيادات في التيار الوطني الحر وهو ما رأت في اوساط مطلعة انه محاولة لشد العصب مسيحيا، لكنه قد يترك ندوبا جدية على العلاقة الثنائية، لان الحزب قد لا يكون قادرا على «هضم» الاتهامات الجائرة هذه المرة. «فالتيار» تجاوز «عتب» سابق من قبل حزب الله على باسيل شخصيا، ومطالبته بمناقشة اي تباينات ثنائية في «الغرف المغلقة»، شكلت بعدها لجنة مشتركة لمناقشة تطوير تفاهم مارمخايل، لكن باسيل نفسه عاد الى «الغمز» من «قناة» حزب الله مجددا من خلال تاكيده ان التفاهم لم ينجح سوى بوأد الفتنة، واخفق في مكافحة الفساد وفي بناء مشروع الدولة، ولم تقف الامور عند هذا الحد فعاد النائب زياد أسود وعضو المجلس السياسي «للتيار» ناجي حايك الى تصريحاتهم الحادة ضد الحزب وانضم اليهم اخيرا النائب السابق نبيل نقولا متهماً الحزب بتغطية الفساد! وهذا ما يطرح اكثر من علامة استفهام حيال امكانية تجاوز هذا «المشكل» المفتعل من قبل «التيار»؟

 حلّ لا حلّ لازمة البنزين؟

في هذا الوقت، تحركت وزارة الطاقة باتجاه مصرف لبنان على وقع استمرار طوابير «الذل» على محطات الوقود، وسط معلومات غير رسمية عن حل موقت سينعكس ايجابا على الارض بدءا من مطلع الاسبوع المقبل، وبات واضحا ان المصرف المركزي يعمل على الضغط على السلطة السياسية لتحمل المسؤولية القانونية على استمرار الدعم على المحروقات، كما حصل مع الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، وفي حين أن مخزون البنزين لا يكفي إلا ستة أيام كحدّ أقصى أعلن رئيس مجلس إدارة شركة «كورال» عن إيجاد حلّ موقّت  للازمة قائلاً إنّ «مصرف لبنان أبلغنا أن أزمة الاستيراد والمُعاملات وأزمة الموافقات لتفريغ البواخر الموجودة والتي ستصل الأسبوع المقبل، ستتمّ الموافقة عليها وستتوفّر مادة البنزين،علما ان باخرة بنزين راسية في البحر تنتظر إفراغ حمولتها، وأخرى تصل في 13 الجاري.

وفي هذا السياق، اعلن مصرف لبنان في بيان، أنه بعد أن «اطّلع على المعلومات المتداولة في وسائل الإعالم المرئية والمسموعة ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي حول أزمة المحروقات وطوابير السيارات أمام المحطات، عُقد اجتماع ضمّ إلى الحاكم رياض سلامة، وزير الطاقة والمياه ريمون غجر وقد أكد غجر أن «كميات البنزين والمازوت والغاز المنزلي التي تم استيرادها خلال العام 2021 وحتى تاريخه تمثل زيادة بحدود 10 % عن الكميات المستوردة خلال الفترة نفسها من العام 2019، علماً أنّ الوضع كان طبيعياً من هذا العام وحركة الاقتصاد بشكل عام كانت أفضل حالاً!

 في المقابل، أكد عضو نقابة اصحاب محطات المحروقات في لبنان جورج البراكس «أن كل المعلومات تفيد بأن مصرف لبنان لم يعط حتى الآن أي موافقة مسبقة للشركات المستوردة للنفط تسمح لها بتفريغ البواخر التي وصلت الى المياه اللبنانية أو التي ستصل خلال أيام، وقال ان الاتصالات جارية لمحاولة إيجاد الحلول.

 «نعي» صندوق النقد

 وفيما يعقد مجلس إدارة جمعية المصارف اليوم اجتماعا لمناقشة آلية تنفيذ تعميم مصرف لبنان الرقم 158 المتعلق باجراءات استثنائية لتسديد تدريجي للودائع بالعملات الاجنبية، دخل صندوق النقد الدولي على خط نعي»التعميم» وقال انه ليس واضحاً كيف سيتمّ تمويل السحب المزمع من الودائع نظراً للتراجع الحاد في العملات الأجنبيّة في لبنان في السنوات الأخيرة.

كما لفت الى عدم فعالية قانون «الكابيتال كونترول» المزمع اقراره، واشار الى ان اقتراحات «ضبط رأس المال» وسحب الودائع في لبنان تحتاج لأن تكون جزءاً من إصلاحات أوسع للسياسة، ولهذا لا يرى «الصــندوق» حاجة لأن يُطبّق لبنان قانون ضبــط رأس المال الآن من دون دعم أو سياسات ملائمة ماليّة وأخرى لســعر الصرف.

ووفقا  لاوساط مالية فان الكلام الصادر عن صندوق النقد الدولي ليس جديدا فقد ابلغ المعنيون على نحو غير رسمي قبل ساعات من صدور الموقف العلني بان الاجراءات «الترقيعية» لا تساعد في انقاذ الوضع المالي والنقدي، ولا بديل عن خطة شاملة تتبناها حكومة مكتملة الاوصاف، وكل شيء آخر، سيعمق الازمة.