تحديد آليات تقديم المساعدات الدولية وموقف سياسي لتسريع تشكيل الحكومة


وسط التخبّط السياسي الداخلي وعدم التوصّل الى تشكيل الحكومة، وفي ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية المستمرّة التي يعيشها المواطن اللبناني، تتجه الأنظار اليوم الخميس الى باريس،حيث يُعقد في الثالثة من بعد ظهر اليوم بتوقيت بيروت (الثانية بتوقيت باريس)، المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني افتراضياً وفق تقنية «زوم» بسبب انتشار جائحة كورونا. هذا المؤتمر الذي نظّمته فرنسا بالتعاون مع الأمم المتحدة وإيطاليا، تمّت دعوة أكثر من 40 دولة وهيئة اليه، من ضمنها «دول مجموعة الدعم الدولية للبنان» إليه، بما فيها دول الخليج وروسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية وكندا وألمانيا وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، ومنظمات دولية وإقليمية وشخصيات عسكرية وديبلوماسية... يؤمل منه تحسين أوضاع العسكريين وتأمين التجهيزات والتدريبات والمعدّات اللازمة للجيش اللبناني لكي يتمكّن من الاستمرار في الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد، والذي من شأنه أن ينعكس على أمن المنطقة.. فما هي أهداف هذا المؤتمر، وهل تدخل من ضمنها مسألة «التسويق» لقائد الجيش العماد جوزف عون كالرئيس المقبل للجمهورية في لبنان بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال عون؟!

أوساط ديبلوماسية واسعة الاطلاع أكّدت أنّ مؤتمر باريس الذي كان يُفترض أن يُعقد لدعم لبنان فور تشكيل الحكومة والتي لم تُبصر النور حتى الساعة، قد تحوّل مع عدم تشكيلها الى مؤتمر لحشد الدعم الدولي للجيش اللبناني كونه المؤسسة الوحيدة الباقية «موحّدة» في البلاد أولاً، والبعيدة ثانياً عن كلّ الإتهامات بالفساد وسرقة أموال الشعب. وهذا المسلك الجديد ينتهجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ تجميد القوى السياسية في لبنان لـ «المبادرة الفرنسية» التي طرحها شخصياً خلال اجتماعه بهم في قصر الصنوبر خلال زيارته الثانية للبنان في الأول من أيلول الماضي، والتي كانت تهدف بالدرجة الأولى الى إنقاذ لبنان وتقديم الدعم الدولي له،لا سيما بعد تشكيل الحكومة والبدء بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

من هنا، فإنّ زيارة العماد عون الأخيرة الى باريس قد أثمرت، وأنتجت استضافتها اليوم المؤتمر الدولي لحشد الدعم للجيش اللبناني عبر «الإنترنت». فالعماد عون كان قد تمنّى على الرئيس ماكرون ووزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي عقد هذا المؤتمر، سيما أنّ الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية التي تعصف بلبنان قد ألقت بثقلها على المؤسسة العسكرية، وقد تجاوب ماكرون سريعاً مع هذا التمنّي وطلب من بارلي العمل على تنظيمه. وينطلق ماكرون، على ما أفادت المعلومات، من أنّه لن يسمح بخسارة الجيش اللبناني لدوره الحيوي والجوهري في الحياة السياسية والأمنية في لبنان بسبب تأثير الأزمة الإقتصادية على أجهزته وضبّاطه وعناصره. فالجيش يقوم بشكل مستمر بالحفاظ على الأمن والإستقرار في البلاد، وبالدفاع عن الحدود اللبنانية من الإرهابيين، وخير دليل ما حقّقه من نجاح في معركة «فجر الجرود»، ويُواجه الاعتداءات و»الخروقات الإسرائيلية» اليومية لسيادة لبنان، كما أنّه يُجسّد التعايش بين مختلف الأديان والطوائف في البلاد، ويؤدّي دوراً تربوياً وتدريبياً في مختلف المجالات... وهو عامل أساسي لضمان مستقبل البلاد، لهذا كان هذا المؤتمر اليوم لتعزيز قدراته وتحسين ظروفه الحالية وضمان مستقبله.

أمّا الحالة المزرية التي يعيشها الجيش اللبناني حالياً والتي لم يسبق أن عرفها في تاريخ لبنان الحديث، من حيث رواتب العسكريين التي لم تعد تكفيهم لتأمين أدنى الحاجات والسلع الغذائية لهم ولعائلاتهم، فضلاً عن افتقار المؤسسة الى الآليات وقطع الغيار لمعدّاتها العسكرية وسوى ذلك، فستضع الدول المشاركة في المؤتمر اليوم حدّاً لها. ومن هنا، فإنّ المساعدات والتبرّعات للجيش، على ما شدّدت الأوساط نفسها، لن تقتصر على تقديم الوجبات الغذائية له، الأمر الذي تقوم به الإمارات العربية حالياً مشكورة، بل ستتطرّق أيضاً الى تأمين مستقبل أفضل له من خلال تأمين مساعدات عينية، وربما مالية ونقدية بالعملة الصعبة لتحسين رواتب العسكريين، وتزويد الجيش بالمعدات والآليات اللازمة وقطع الغيار لها، للاستمرار في أداء مهامه الضرورية في الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد.

وعمّا إذا كان المؤتمر يهدف في باطنه الى التسويق للعماد جوزف عون كالرئيس المقبل للجمهورية اللبنانية، أجابت الأوساط عينها بأنّ فرنسا لا تُفكّر في مثل هذا الأمر في الوقت الراهن. فيما استقبال العماد عون بطريقة لافتة في قصر «الإليزيه»كان سببه الأساسي توجيه رسائل عديدة لدول الجوار، بحسب المعلومات، مفادها:

- أولاً: أنّ لبنان خطّ أحمر، وممنوع المساس بسيادته واستقلاله ووحدة أراضيه مهما حصل، ومهما تدهورت الأوضاع فيه، كونه بلدا متميّزا في المنطقة.

- ثانياً: الجيش اللبناني هو حالياً المؤسسة الوحيدة التي تعمل حالياً بشكل مثالي وفعّال، ولهذا تستحقّ كلّ الدعم من المجتمع الدولي. وكان سبق للعماد عون أن أعلن عشية المؤتمر أنّ «الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تقف على رجليها، ويجب المحافظة عليها. والشعب يُحبّنا، وهو معنا، والمجتمع الدولي معنا، ولن نُفرّط في هذا الأمر ويجب أن نكون على قدر المسؤولية».

- ثالثا»: إنّ قائد الجيش هو مُحاور قصر «الإليزيه» ووزيرة الجيوش الفرنسية على الصعيد السياسي،لأنّ الجيش اللبناني أكثر من أي بلد آخر منخرط في الحياة السياسية ككلّ.

وتقول الاوساط ان فرنسا والمجموعة الدولية على قناعة راسخة بأنّ صمود الجيش اللبناني يؤدّي الى صمود لبنان، فيما انهياره، لا سمح الله، وخصوصاً أنّه يضمّ ضبّاطاً وعناصر من مختلف الطوائف والإنتماءات، لا بدّ وأن يشرذم أبناء البلد الواحد، فيما انهيار لبنان والأمن فيه هو خطّ أحمر، ولهذا وُضعت آليات لدعمه ستُنفّذ تباعاً. كما تريد من خلال هذا المؤتمر، أن تضغط على المسؤولين اللبنانيين المتقاعسين عن تأدية واجباتهم ومسؤولياتهم بإظهار أنّ تشكيل حكومة جديدة وإطلاق مسار الإصلاحات، من شأنه استجلاب المساعدات المالية الخارجية للبنان سريعاً، وبأنّ عدم تشكيلها يفوّت عليهم فرصة الإنقاذ ومدّ يدّ العون الدولي لهم.

ويتمثّل لبنان في هذا المؤتمر بنائب رئيس مجلس الوزراء، وزيرة الدفاع الوطني والخارجية والمغتربين بالوكالة في حكومة تصريف الأعمال زينة عكر وبقائد الجيش اللذين سيُلقي كلّ منهما كلمة تتضمّن شرحاً مفصّلاً عمّا آلت اليه أوضاع المؤسسة العسكرية بعد الأزمة الإقتصادية والمالية، واحتياجاته وتُطالب بضرورة مساعدته لكي يبقى صامداً أمام التحديات التي يُواجهها والمستقبل الغامض، ولحماية أمن لبنان واستقراره. فالجيش اللبناني يحتاج الى نحو 100 مليون دولار سنوياً لسدّ نفقات الطبابة والغذاء والمدارس والمحروقات والسلع والمواد الأساسية. فضلاً عن حاجته الى تأمين قطع الغيار لآلياته العسكرية التي سبق وأن حصل عليها كمساعدات من عدة دول مثل فرنسا وأميركا وإيطاليا وبريطانيا. ويأمل لبنان حصول المؤسسة العسكرية على المساعدات العينية وعلى الدعم اللوجيستي والعسكري المطلوب من قبل الدول المشاركة في المؤتمر اليوم الذي يهدف الى تشجيع التبرّعات لمصلحة الجيش اللبناني، والتنبيه الى وضع العسكريين الذين يُواجهون تردّي الأوضاع المعيشية ما قد يؤثّر في نوعية تنفيذ مهامهم الضرورية بشكل كامل للحفاظ على الإستقرار في البلاد. علماً بأنّ فرنسا ستقوم بترجمة مفاعيل هذه المساعدات والدعم المقدّم سريعاً على الأرض كون الأوضاع المتدهورة لم تعد تسمح بأي تأخير.

وتتوقّع الأوساط ذاتها أن يصدر عن المؤتمر الى جانب تحديد آلية وكمية المساعدات المالية والعينية التي ستُقدّم للمؤسسة العسكرية، موقف سياسي يتعلّق بأزمة تشكيل الحكومة المستمرّة منذ استقالة حكومة الرئيس حسّان دياب بعد أيّام على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي. وينطلق هذا الموقف من ترابط الوضع السياسي بالإقتصادي والمالي والمعيشي وتداعياته على أوضاع المؤسسة العسكرية وأجهزتها وعناصرها. كذلك ستستمرّ عملية الدعم السنوي للمؤسسة العسكرية من قبل فرنسا، والولايات المتحدة وسواهما بالمعدّات الحربية وتدريب الضبّاط، سيما أنّ هذه المساعدات لا علاقة لها بمؤتمر باريس ومنفصلة عنه تماماً.

وبطبيعة الحال، فإنّ فرنسا من خلال المؤتمر الدولي الحاشد اليوم، ستُظهر بأنّ لبنان من بوّابة الجيش اللبناني، ليس متروكاً من قبل المجتمع الدولي، وبأنّها تولي الثقة بالمؤسسة العسكرية وبقائدها العماد عون وبدورها في تعزيز الإستقرار والأمن في لبنان الذي ينعكس على أمن المنطقة ككلّ. وستلفت الى أنّ التغيير الحقيقي الذي يُنشده الشعب اللبناني لا يُمكن أن يتحقّق إلّا في إجراء الإنتخابات النيابية الديموقراطية في موعدها في أيّار من العام المقبل (2022)، وفي صناديق الإقتراع، كونه الخيار المتبقّي لإحداث التغيير المنشود..