فرض العقوبات تراجع.. فالتلويح بها يبقى أفضل من تنفيذها !

ظهر جليّاً من خلال كلام الممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيب بوريل الذي يزور لبنان حالياً أنّ الاتحاد الأوروبي يتوافق مع الأمم المتحدة حول مسألة «إبقاء النازحين السوريين حيث هم»، وبالتالي «تجنيسهم وتوطينهم» من قبل الدول المضيفة، لا سيما في لبنان.. فقد شدّد بوريل بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا أمس السبت على أنّ «شروط عودة النازحين السوريين غير مستوفاة»، مشدّداً على «أنّنا مستعدّون للاستمرار في تقديم أكبر دعم للبنان والأردن وتركيا وكلّ الدول التي تستقبل النازحين»، ولكن «شرط»، «الاستمرار في احترام مبادىء عدم الإعادة القسرية لهم». ما يعني مطالبته كما الدولة اللبنانية بعدم إرغامهم على العودة الى بلادهم، رغم إدراكه العبء الذي فرضه وجود هؤلاء النازحين في لبنان، على ما قال، إضافة الى سواهم، ورغم علمه بالتالي بأنّ لبنان لم يتخذ يوماً مثل هذا القرار الذي اعتمدته دول أوروبية عديدة في عملية ترحيل اللاجئين.

وذكّر كلام بوريل عن ضرورة إبقاء النازحين السوريين في لبنان، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة، بما سبق وأن اقترح الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون منذ خمسة أعوام، في إحدى توصياته في تقريره الشهير الصادر في 9 أيّار 2016 تحت عنوان: «بأمانٍ وكرامة»: «التعامل مع التحرّكات الكبيرة للاجئين والمهاجرين». هذا التقرير الذي أحدث يومذاك ضجّة سياسية واسعة بسبب ما أوحى به وهو ضرورة دمج مليون ونصف مليون نازح سوري في المجتمع اللبناني، ما اعتُبر يومذاك نوعاً من «التوطين المُبطّن» للنازحين السوريين في لبنان. ولدى الرفض السياسي القاطع لمضمونه، سارع بان الى الادّعاء بأنّه استند في تقريره الى بنود معاهدات ومواثيق دولية متخصّصة في موضوع اللاجئين. علماً بأنّ لبنان «ليس بلد لجوء»، كسائر الدول الأجنبية، كونه غير موقّع على «اتفاقية فيينا» المتعلّقة باللاجئين.

وتبيّن كذلك ممّا ألمح إليه الموفد الأوروبي، على ما أضافت، بأنّ المساعدات الأوروبية والدولية التي تُمنح للحكومة اللبنانية هي من أجل إبقاء النازحين السوريين في البلاد، فقد منح الاتحاد الحكومة 330 مليون يورو في العام الماضي، أي نحو مليون يورو يوميّاً. وقال انّ هذه المساعدات سوف تزداد وانّ الإتحاد سيكون سخيّاً أكثر شرط تشكيل الحكومة الجديدة التي يُمكنها التوقيع على الاتفاقيات خلافاً للحكومة الحالية، ولكي يتمكّن الاتحاد من مواصلة تقديم الدعم للبنان وشعبه، سيما أنّه وضع إطاراً لتقديمها للشعب اللبناني بشكل مباشر مع الأمم المتحدة.

كما طالب بوريل بعدم إجبار النازحين على العودة الى بلادهم، رغم أنّ أكثر من 80 % من مساحتها يسودها الهدوء والاستقرار اليوم، على ما عقّبت، ورغم معرفته بأنّ نسبة البطالة في لبنان أصبحت 40 % وأنّ أكثر من نصف الشعب بات يعيش ضمن معدل الفقر. غير أنّه لم يجد في وجود النازحين واللاجئين على الأراضي اللبنانية أي منافسة لليد العاملة اللبنانية، إذ أكّد على أنّه من غير العادل القول انّ وجود النازحين هو أحد أسباب الأزمة اللبنانية.

وفُهم من كلام بوريل، على ما أشارت الأوساط الديبلوماسية نفسها أنّ التلويح بفرض العقوبات على المسؤولين اللبنانيين قد تراجع، رغم تأكيده أنّ المسألة مطروحة على الطاولة وتتمّ دراستها، ولكن لم يتمّ إقرار أي شيء بشانها، آملاً عدم الحاجة الى تطبيقها. وقد يكون هذا التراجع، بحسب رأيها، مقابل موافقة المسؤولين على «إبقاء النازحين السوريين حيث هم حالياً»، الى حين استخدام المجتمع الدولي ورقتهم، ومن ضمنه الاتحاد الأوروبي، في الوقت والمكان المناسبين.

فورقة النازحين، على ما يبدو، لا يريد الاتحاد الأوروبي، ولا الأمم المتحدة التفريط بها، بل يودّان وضعها على طاولة المفاوضات عند عقد التسويات الإقليمية والدولية. ولهذا لا تُوافق الدول الأوروبية، ولا المجتمع الدولي كذلك، على مساعدة لبنان فيما يُطالب الرئيس عون، في تحقيق عودة النازحين كونهم يضيفون عبئاً إضافياً على الأعباء الإقتصادية والمالية ويُساهمون في ارتفاع نسبة البطالة التي يُعاني منها البلد. وذكّرت كيف تغيّر التعاطي مع لبنان منذ أن ألقى الرئيس عون كلمته في الجمعية العامّة للأمم المتحدة في نيويورك في 25 أيلول من العام 2019 التي ناشد فيها كلّ زعماء العالم ليساهموا في العمل على عودة النازحين الآمنة الى سوريا، وحذّر من «تحويل النازحين الى رهائن في لعبة دولية للمقايضة بهم عند فرض التسويات والحلول»، ملاحظاً أنّ «علامات إستفهام عدّة ترتسم حول موقف بعض الدول الفاعلة والمنظمات الدولية المعنيّة، الساعي الى عرقلة هذه العودة والإدعاءات بخطورة الحالة الأمنية في سوريا، وإثارة المخاوف لدى النازحين»، وملمّحاً الى تشجيع عملية العودة بالاتفاق مع الدولة السورية لحلّ هذه المعضلة التي تُهدّد الكيان والوجود.

وبات واضحاً أنّ الاتحاد الأوروبي، ورغم تردّي الأوضاع الإقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان، والتي قد تصل الى الانهيار الشامل قريباً، يقف الى جانب المجتمع الدولي ويكتفي اليوم فقط بتأمين الحدّ الأدنى من المساعدات للنازحين واللاجئين في أماكن نزوحهم، ويقوم بالتالي بتغييب برامج عودتهم الى بلادهم عن أي مؤتمرات دولية وأوروبية. وهذا الأمر لا يتطابق مع ما صرّح به بوريل بأنّ زيارته الى لبنان ولقاءه المسؤولين اللبنانيين وهيئات المجتمع المدني والناشطين فيه هو للاستماع واستطلاع المواقف ومعرفة التفاصيل. فالواقع الفعلي الذي يعيشه لبنان، مغاير لما يعلمه الاتحاد الأوروبي وبوريل، ولما ظهر بأنّه متأكّد منه أنّ وجود النازحين السوريين على الأراضي اللبنانية لا يُساهم في تفاقم الأزمة الحالية.. كما أنّ المساعدات التي تُعطى لهم في لبنان لا تؤدي دوراً في بقائهم فيه، فيما تحقيق العودة يمنعهم من الحصول على هذه المساعدات. هذا الواقع الذي لا تريد الدول الأوروبية رؤيته بالعين المجرّدة، رغم إرسالها بوريل للاطلاع عن كثب على ما يحصل في لبنان... قبل رفع تقريره الى مسؤولي الاتحاد الذين سيعقدون الاثنين اجتماع لجنة الشؤون الخارجية للاتحاد في لوكسمبورغ، وهو جزء من الجهود لمعرفة كيفية المساعدة والاستمرار قُدماً. علماً بأنّه أجاب عندما سئل عمّا إذا كان بإمكان الاتحاد الأوروبي مساعدة لبنان على إعادة النازحين الى بلادهم بعدما انتهت الحرب فيها والتي كانت سبب نزوحهم إليه، بأنّه «يجب أولاً مساعدة لبنان على المحافظة على النازحين وتأمين متطلّباتهم»، مشيراً الى أنّه «لا يُمكننا إعادة الناس الى بلدانهم إذا لم تتوافر الظروف المناسبة».

وبرأيها، لقد بات لدى الدول الأوروبية قناعة، على ما يبدو، أنّ العقوبات لن تفيد في تحسين أداء المسؤولين اللبنانيين، والتلويح بها قد يبقى أفضل من تنفيذها مقابل الحصول على ورقة إبقاء النازحين السوريين في لبنان معلّقة الى حين حصول التسويات الشاملة. علماً بأنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة، بقيت تمارس التسلّل الديبلوماسي منذ العام 1948 لكي يُوافق لبنان على توطين اللاجئين الفلسطينيين مقابل دفع الديون المتراكمة على لبنان، وعرض إغراءات مالية عدّة على المسؤولين فيه لقبول دمج اللاجئين أكثر من 480 ألف لاجىء فلسطيني، غير أنّها لم تُفلح رغم بقاء الفلسطينيين على الأراضي اللبنانيين منذ 73 عاماً، ولو مؤقّتاً.. ولكنّها اليوم تعيد تكرار المحاولة مع الإتحاد الأوروبي، بغية «توطين النازحين السوريين»، أو استخدام ورقتهم على طاولة التسويات مقابل حصولها على مطلب ما. علماً بأنّ لبنان، حكومة وشعباً ودستوراً، يرفض أي نوع من التوطين لأي لاجئ على الأراضي اللبنانية، وإن كان الثمن «التعافي الإقتصادي» وإعادة القدرة الشرائية لليرة اللبنانية الى سابق عهدها مقابل العملات الأجنبية.

في الوقت نفسه، رأت الأوساط في كلام المبعوث الأوروبي عن أنّ «الأزمة محلية الصنع وفُرضت من الداخل ولا علاقة لدول الخارج أو العوامل الخارجية بها»، وقوله ان الوضع في لبنان على حافة الإنهيار المالي، وانّ إتفاقية فورية مع صندوق النقد الدولي ستُنقذ لبنان من هذا الانهيار وليس هناك من وقت لإضاعته، تشجيع للمسؤولين على تحمّل مسؤولياتهم والإسراع في تشكيل الحكومة المنتظرة.