يظهر جلياً أن جميع القوى السياسية والحزبية قد استسلمت للواقع المأزوم في السياسة والاقتصاد، وكل ما يحيط بالبلد من انهيارات مقلقة، ولا سيما على المسارات الإقتصادية والإجتماعية، الى صعوبة تأليف حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري، بعدما انكسرت الجرّة بين «بيت الوسط» وبعبدا، ومن الطبيعي بين «تيار المستقبل» و «التيار الوطني الحر» ورئيسه النائب جبران باسيل، بحيث ثمة حسم بأن الحريري، وبعد عودته من الخارج، سيلتقي برئيس مجلس النواب نبيه بري، وبعدها سيكون للرئيس المكلّف موقف سياسي هام، وقد يكون الاعتذار، إنما ربطاً بمشاورات ستجري مع الدول المعنية بالملف اللبناني، ولا سيما باريس وموسكو والقاهرة، وهي العواصم التي لا تزال تدعم تأليف حكومة «مهمة» برئاسة الحريري، وذلك، وفق معلومات مُستقاة من أوساط نيابية واسعة الاطلاع على حراك الحريري.

ولهذه الغاية، تقول المعلومات، ان قرار الإعتذار لن يخرج الى العَلَن إلاّ بعدما يكون رئيس «تيار المستقبل» قد أنهى اتصالاته، ووصل إلى مرحلة يمكن القول بعدها ان تأليف الحكومة في عهد الرئيس ميشال عون بات صعب المنال، ولذا فإن الحريري، لن يُقدم على الاعتذار إلا بعد توافّر أجواء ومعطيات تؤكد على المخرج المرتقب والمتوقّع بشأن من سيخلفه في التكليف، والذي ستكون له الكلمة الفصل في تسميته، وحيث الأرجحية باتت لحكومة انتخابات، لأن الاتصالات الجارية من قبل الدول الأوروبية، وتحديداً فرنسا، تتركّز على السيناريو الذي سيلي هذا الاعتذار.

وفي المقابل، تتحدّث المعلومات عن وجود أجواء تشاؤمية لدى أكثر من مسؤول سياسي وحزبي، لجهة ما يتم تداوله من مخاوف ومخاطر كثيرة، حول استغلال هذا الفراغ والوقت الضائع، ربطاً بحالة الانقسام السياسي والانحدار الاقتصادي والمالي، عبر اللجوء إلى الفوضى الشاملة، وحصول إشكالات متنقلة، عطفاً على حالة الإفلاس التي تشهدها الساحة الداخلية، إذ ثمة من يتوقّع، وقد أعلن ذلك بعض النواب بالأمس، بأن يرتفع منسوب هذا الانهيار بشكل مريب. وعلى هذه الخلفية، فإن حصول الفراغ بعد الاعتذار ينطوي على تحدّيات عديدة مُرتقبة، ولهذه الغاية تسعى الجهات المعنية في الداخل والخارج، وبحسب المعلومات، الى ترتيب مخرج الاعتذار دون أن يستغرق أو يستهلك وقتاً طويلاً، درءاً لأي استنهاض لحالات طائفية ومذهبية، أو ارتفاع مؤشّر تدهور العملة الوطنية، بمعنى أن كل الأمور باتت تُدرّس في المطابخ المحلية والخارجية، على أن تتظهّر الصورة خلال الأيام المقبلة.

ومن هنا، تصبّ المواقف السياسية لأطراف مقرّبة من عين التينة وآخرين، في إطار التسويق للإبقاء على مساحة من التفاؤل في ما خص مبادرة رئيس المجلس النيابي، والإعلان أنها مستمرة ولم تمُت، وإن كانت الحقيقة مختلفة، خصوصاً بعد المحطات الأخيرة المتمثلة بالتصعيد السياسي بين بعبدا والرئاسة الثانية، والأمر عينه، بين رئاسة الجمهورية و «الوطني الحر» من جهة، و «بيت الوسط» من جهة أخرى، أي هناك، وفي هذا التوقيت، عملية شراء للوقت إزاء التوقّعات السلبية في السياسة والاقتصاد والأمن، بانتظار توافر شبكة أمان عربية ودولية، من أجل تدارك أي اهتزازات قد تحصل في لبنان.

وتخلص المعلومات نفسها، الى أن الوضع متّجه الى مزيد من التدهور في ظل الانكشاف السياسي والأمني وحالات الفقر التي تحيط بالبلد، ما يعني أنه، وأمام هذه الأجواء، ليس باستطاعة أي طرف السيطرة على هذه الأمور إلا من خلال الضغوطات الدولية التي قد تتوصل الى مخرج يجري العمل له في أكثر من عاصمة غربية وعربية.