القوقعة الطائفية خطرة.. و «إجتماع خلدة» ليُعمّم على جميع الطوائف ؟!!

يعيش لبنان، رغم الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية التي تُلقي بثقلها على جميع أبنائه من جميع الديانات والمذاهب والإنتماءات، قوقعة طائفية تبدأ من تمسّك القوى السياسية في البلاد بالخطاب الطائفي وبمواقفها وبحصصها، وصولاً الى المحازبين والمناصرين، وحتى «الشعب العادي المحايد».. هذا الوضع جعل البعض في الداخل يعود الى طرح قديم هو «الفدرلة»، كحلّ أخير لحلّ الأزمة التي تعصف بالوطن في ظلّ تعثّر تشكيل الحكومة الجديدة، أو يُنادي بتقسيم البلد الى «كونتونات» يكون كلّ «كونتون» فيها، مسؤولاً عن تأمين حاجات ومعيشة وأمن مواطنيه.

مصادر سياسية عليمة أوضحت أنّ تطبيق الفيديرالية في لبنان ليس أمراً سهلاً، على ما يعتقد البعض.. فصحيح أنّ الفدرلة متّبعة في أهمّ دول العالم، لا سيما منها الولايات المتحدة الأميركية وكندا وسويسرا، غير أنّ الهدف الأساسي منها في هذه الدول هو «توحيد البلاد»، وليس تقسيمها وشرذمتها، على ما يريد البعض في الداخل، ولهذا نجده لا يلبث يُنادي بالفدرلة من دون المعرفة العميقة بما تعنيه فعلياً. فالإتحادية أو الفيديرالية هي شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسّمة دستوريّاً بين حكومة مركزية (أو حكومة فيديرالية) ووحدات حكومية أصغر (أي أقاليم أو ولايات) تُعدّ وحدات دستورية لكلّ منها نظامها الأساسي الذي لا يُمكن تغييره بقرار آحادي من الحكومة المركزية، وتتقاسمان السيادة في الدولة.. في الوقت الذي يودّ البعض في لبنان جعل هذه الولايات «كونتونات» مقسّمة طائفية، ما يزيد الشرخ بين أبناء الوطن الواحد، في حين أنّ المطلوب توحيد الشعب بدلاً من تقسيمه طائفياً.

وتقول المصادر بأنّ هذا الحكم الواسع الإنتشار في العالم، قد جرى تطبيقه في ثمانية من بين أكبر دول العالم مساحة، ولم يُطبّق حتى الآن في أي بلد صغير المساحة مثل لبنان. وهذا الأمر لا بدّ من أخذه بالإعتبار عند الحديث عن الفدرلة. ولهذا، فإنّ الحلّ الأفضل للبنان اليوم وغداً هو الذهاب نحو دولة علمانيّة مدنيّة. غير أنّ هذه المسألة تتطلّب الكثير من الدراسات والمشاريع والتوافق السياسي بالدرجة الأولى، الى جانب موافقة رجال الدين على هذا النوع من الدول.

وعن استمرار القوقعة رغم انتهاء الحرب التي سُميت «أهلية»، منذ أوائل التسعينات، أكّدت المصادر نفسها أنّها قد تتسبّب ببعض المخاطر والمشاكل والمواجهات لا سيما مع تفاقم الأزمة الإقتصادية والمالية، والمشاحنات التي تحصل في محطّات الوقود، غير أنّه لا خطر من الذهاب مُجدّداً نحو حرب أهلية، سيما وأنّ ظروفها وأسبابها غير متوافرة الآن، على ما كانت عليه في السبعينات. فيما غضب الشعب ككلّ سيطال كلّ الطبقة السياسية الحاكمة التي أدّت الى معاناته اليومية من دون إيجاد حلول للأزمات القائمة التي يتخبّط بها، بغضّ النظر عن طوائفها، وإن كان البعض لا يزال يشدّ مشدّ زعيمه وفق انتمائه الطائفي له..

وقالت المصادر بأنّ مشروع قانون البطاقة التمويلية الذي أقرّه مجلس النوّاب يوم الجمعة، ولا يزال يتطلّب لتنفيذه تقديم حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة، مشروع قانون معجّل لمجلس النوّاب تعدّه الحكومة على أن يتضمّن أسلوب ومصادر التمويل والدعم المالي لهذه البطاقة، فضلاً عن قضايا إجرائية تتعلّق بالسلع التي شملها وسيشملها رفع الدعم، فلن يُشكّل، بحسب رأي المصادر ، الحلّ النهائي للأزمة.. فهذا القرار جاء متأخّراً جدّاً لأنّ ارتفاع أسعار السلع والمحروقات حصل حتى قبل إقرار البطاقة التمويلية وتأمين مصادر تمويلها. كما أنّ إقرارها قبل الإتفاق مع صندوق النقد الدولي يطرح تساؤلات حول مصادر تمويلها والخشية من أن يأتي أيضاً من أموال المودعين المتبقيّة في المصارف.

كذلك لفتت المصادر نفسها،الى أنّه لم يتمّ الإلتزام لا بعدد الأسر التي يجب أن تتمّ مساعدتها ولا بالمبلغ الذي سيُدفع لكلّ منها، فبدلاً من استفادة 750 ألف عائلة الى مليون، على ما كان يُحكى، جرى تخفيض العدد الى النصف أي اصبح عدد العائلات المستفيدة 500 ألف عائلة فقط. وفيما يتعلّق بالمبلغ المعطى لكلّ عائلة، فقد حُدّد في المشروع بـ 137 دولاراً على أن يصل كحدّ أقصى الى 189 دولاراً، ولكن تقرّر أن يُخفّض الى 93 دولاراً على أن يصل كحدّ أقصى الى 137 دولاراً.. علماً بأنّ كلّ ذلك يترافق مع ازدياد الأزمات تفاقماً بدلاً من أن تتوقّف أو تخفّ تدريجاً.

من هنا، تجد أنّ القرارات المتخذة إن من قبل الحكومة المستقيلة، أو من قبل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لا سيما التعميم رقم 158 الذي يُفترض البدء بتطبيقه أوائل تمّوز المقبل، أي بعد أيّام من الآن، من شأنها التخفيف بعض الشيء من الأعباء المتراكمة على كاهل اللبنانيين شرط أن تتزامن مع استقرار الأسعار، وتثبيت سعر صرف الدولار الأميركي. فعكس ذلك، سيعيد الوضع المستفحل والمعقّد الى ما كان عليه قبل القرارات الأخيرة المتخذة، ما يجعلها من دون أي فائدة على المواطن اللبناني ككلّ.

وفيما يتعلّق بـ «اجتماع خلدة» الذي يُعقد السادسة من مساء اليوم السبت، بهدف توحيد البيت الدرزي ويجمع الأقطاب الدرزية كافة، ويأتي في سياق المتابعة لثلاثة لقاءات حصلت سابقاً، أشارت المصادر عينها، الى أنّ لقاء من هذا النوع لا بدّ من تعميمه على المذاهب والطوائف كافة في جميع المناطق. فهذا اللقاء «يجب أن يُعالج بروحية إيجابية ومنفتحة ونكون جاديّن بالوصول الى حلول جذرية، على ما قال رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني طلال ارسلان. فالجبل يُعاني، كما كلّ المناطق اللبنانية وكلّ فئات الشعب اللبناني من أزمات حقيقية، ولهذا يجب أن تكون هذه المسائل من أولويات طروحات اجتماع خلدة لإيجاد الحلول». وهذا يدلّ، على ما عقّبت المصادر، على أنّ الهدف منه ليس القوقعة الدرزية، على ما يخشى البعض، بل على العكس التوحيد والإنفتاح لإيجاد الحلول المناسبة وإخراج المواطنين من الأزمة التي يعانون منها حالياً.

ورأت المصادر بأنّ المطلوب اليوم أن يتوحّد المسيحيون والسنّة والشيعة وسواهم، بدلاً من الشرخ والشرذمة التي يعيشها قادتهم وتنعكس سلباً على المواطنين، على ألاّ تؤدّي هذه الدعوة نحو المزيد من القوقعة الطائفية، إنّما الى توحيد الطوائف لأنّ في الإتحاد قوّة. فعندما توحّد كلّ طائفة موقفها، يُمكن بالتالي تطبيق الدستور، كما يجب، من دون الحاجة الى أي تأويلات أو تفسيرات. كما أنّ هذا الأمر من شأنه تسهيل تشكيل حكومة إنقاذية سريعاً، مع انتفاء عدم شعور أي طائفة في البلد أنّها مغبونة أو مهمّشة كون الدستور يحمي حقوق الجميع في البلد.