يكتسب موقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، حول «سرقة» السلطة لأموال المواطنين من أجل تمويل انتخاباتها المقبلة، طابعاً بالغ الخطورة لجهة التوقيت، إذ إنه يأتي قبل أيام معدودة من اللقاء المسيحي الموسّع الذي دعا إليه البابا فرنسيس الأول في الفاتيكان في الأول من تموز المقبل، لبحث المسألة اللبنانية. وفي هذا المجال، تقول أوساط كنسية رفيعة، إن البطريرك الراعي هدف من خلال تصعيده هذا، الى دقّ ناقوس الخطر وتحذير المسؤولين اللبنانيين الذين قرّروا أن يستعينوا بالإحتياطي الإلزامي، أي ودائع اللبنانيين المتبقية، من أجل وضع الحلول لأزمة المحروقات، مع العلم، أن كلفة هذا الحلّ تتجاوز بكثير الكلفة التي كان سيدفعها هؤلاء المسؤولون لو أنهم بادروا الى تأليف حكومة من دون أي شروط مسبقة، وقدّم كل طرف فيهم تنازلات بسيطة من أجل مصلحة لبنان واللبنانيين بشكل عام، ذلك أن البطريرك الراعي، تعمّد من خلال صرخته هذه، التنبيه الى دقّة وخطورة الوضع المالي، مع بدء ظهور معالم الإنهيار والإستقرار الإجتماعي والمعيشي، وجنوح الوضع إلى الفوضى عاجلاً أم آجلاً.

وقد أكدت هذه الأوساط، أن استخدام الإحتياطي الإلزامي من أجل شراء الوقت فقط بانتظار الإستحقاق النيابي، يؤشّر الى وصول كل المسارات السياسية الى الحائط المسدود، على الرغم من كل ما يحكى عن وساطات من أجل دفع الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، الى الإتفاق على تأليف الحكومة العتيدة، لان استمرار الدوران في حلقة الدعم من دون أي هدف واضح، واستنزاف كل موارد الدولة، عوضاً عن أن يستخدم من أجل إعادة التعافي للإقتصاد، فإن ذلك كله يشكل قفزة في المجهول، من خلال إغفال كل التحذيرات والبيانات الدولية في الآونة الأخيرة.

وعلى الرغم من أهمية الدعم بالنسبة للمواطنين على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم السياسية، فإن الإفادة الكبرى منه، بحسب الأوساط نفسها، هي مخصّصة للأطراف السياسية، لأنه يتيح لها مواصلة اللعب على حافة الهاوية، من دون أن تستشعر خطورة الوضع في الشارع، وهذا الأمر يأتي في سياق رهانات أقلّ ما يمكن القول عنها، إنها تفاؤلية وبعيدة عن الواقع، لأن الإحتياطي الإلزامي لن يكفي لشراء الوقت لكل الفترة الفاصلة عن موعد الإنتخابات النيابية المقبلة.

ومن هنا، تكشف الأوساط الكنسية الرفيعة نفسها، عن أن البطريرك الراعي، قد أدرك أن مسألة التشبّث بالمواقف من قبل فريقي تأليف الحكومة، مستمرة رغم كل المداخلات الرئاسية وغير الرئاسية التي حصلت، وبالتالي، فإن استمرار تفاقم الأوضاع، وزيادة العوائق في طريق تشكيل حكومة جديدة، سيشكّل نواة البحث في المؤتمر الذي سينعقد في روما في الفاتيكان، والذي سيشارك فيه رؤساء الكنائس المسيحية في لبنان والمنطقة، وذلك تحت سقف عنوان رئيسي هو إخراج لبنان من حالة الستاتيكو المدمّر التي يعيشها منذ أشهر عديدة، ومن دون أي تحرّكات محلية أو حتى خارجية لإنقاذه.

وتخلص الأوساط الكنسية ذاتها، الى أن البطريرك الراعي، لن يتوقف عن المطالبة بحماية أموال المودعين، ورفض أن تكون هذه الأموال هي الأساس في إجراءات لجم الإنهيار المتسارع، لأن المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه التجاذبات والصراعات السياسية، وبكركي تستشعر أن هناك توافقاً بين السياسيين على تحميل هذا المواطن مسؤولية فشلهم في العملية الإنقاذية.