وحدهم المسيحيون يتحكم بهم القلق الأكبر قياسا على بقية الطوئف اللبنانية ، والاسباب ليست بحاجة لمحاولة فك ألغاز هذا التمزق الحاصل في بنية المجتمع المسيحي بالرغم من كونهم الاّن أكثر من أي وقت مضى يمعنون في نحر الذات دون أهداف يمكن الركون اليها ، فيما بقية الطوائف استطاعت بالرغم من تنوعها الى تكوين رؤية محورها الوجود في لبنان.

وتشرح أوساط كنسية مخضرمة بعض ما يقتل الجسد المسيحي بواسطة أياد مسيحية بشكل حصري ، إذ لا يمكن إلقاء اللوم على شركاء الوطن من المسلمين والدروز، ذلك أن «محنة» المسيحيين المستدامة هي نتاج طبيعي لكون الكرسي الاول في الجمهورية من نصيبهم بالرغم من كونه أصبح فارغا بعد اتفاق الطائف وهو إنتاج مسيحي - إسلامي لكنه تشكّل نتاج مسيحي خالص جراء التقاتل المسيحي - المسيحي والذي أفضى الى كرسي «أول» لا يتمتع بأدنى الحماية الدستورية والقانونية ومكبّل بتعديلات ما سمي بالدستور الجديد الذي تبين لهذه الاوساط أنه مشروع حرب أبدي لكن بالتقسيط.

وفيما ينهمك القيمون من السياسيين على باقي الطوائف في توحيد صفوفهم وتحصين مجتمعاتهم بعدما تداعت الدولة المركزية بتداعي معظم القطاعات وانهيار الخدمات، لا يرى الساسة المسيحيون ما يدفعهم الى القيام بأي تنازل او خطوة باتجاه بعضهم بعضا لتوحيد الصفوف لمواجهة المرحلة من خلال محاولة الحفاظ على ما تبقى من مسيحيين باتوا يحلمون ليل نهار بالهجرة، وللدلالة أكثر لا توفر هذه الاوساط ذكر الاسماء والاحزاب المسيحية التي ساهمت في انهيار «الامبراطورية» المارونية فيما السياسيون المسيحيون بالفعل كان لهم «الخاطر» الأكبر للتشبه بانهيار الامبراطورية البيزنطية وأهلها مختلفون على جنس الطيور والملائكة، حتى أن أحد الاساقفة الموارنة المخضرمين يقول : أنه يمكن للموتى أن يستيقظوا من القبور لكن المجتمع المسيحي أصبح من المستحيل جمعه ولو بالحد الادنى من التفاهم ... إنها الكرسي يختم دون إضافة كلمة واحدة لكنه أفصح عنها بغصة كبيرة !!

وتقول الاوساط الكنسية أن أهل الشيعة والسنة والدروز  أرسل لهم الله هدية غير منتظرة تتمثل بضربة «الحظ « وأن لا كرسي أولى يتقاتلون عليها حتى الموت، وتضيف : المسلمون عموما محصنون تجاهها ما دام النظام الطائفي المقيت في لبنان يحفظ هذا الكرسي للمسيحيين فيما يخصص كرسي رئاسة المجلس النيابي للشيعة وكرسي رئاسة الحكومة للسنة، وهما كرسيان وبخلاف الاول لا يشهدان هذه المنافسة التي تتخذ طابع النهش والتقاتل لاعتبارات عديدة باتت معروفة… ولعل الاكثر حظا هم الدروز الذين وان كانوا يتقاتلون على الزعامة، الا ان لا كرسي ينهشون بعضهم بعضا سعيا للجلوس عليه ، والدليل لقاء خلدة الاخير الذي جمع قادة الدروز بعد طول نزاع ، وهذا ما أغرز خنجرا كبيرا في خاصرة المسيحيين ليس من خلال الاجتماع أو نتائجه الطيبة ولا شك حزّ في نفوس قسم كبير من المسيحيين الذين باتوا يتوقون لاجتماع قياداتهم للبحث في شؤونهم وشجونهم ، فكل حديث عن مقاربات وطنية تعتمدها هذه القيادات، لم تعد تقنعهم بعد انهيار كل شيء وانصراف كل فرد الى مجموعته الطائفية او الحزبية عساها تؤمن له مقومات البقاء والصمود.

هل من حلول في الافق لهذا التشرذم المسيحي؟ هذه الاوساط تعتبر أن الجرح عميق ما دام بعض المسيحيين من الاطراف كافة يفضلون التعاون مع باقي الأفرقاء نكاية بالمسيحيين وكل فريق على حدى ووفق مصالحه الخاصة دون الالتفات الى الجماعة المعذبة والتي عمدت الى حزم الحقائب تمهيدا للسفر النهائي من لبنان ، وأن اللقاء الذي سيعقد في الفاتيكان برعاية البابا فرنسيس للقيادات الدينية من الطوائف كافة لا يبدو كفيلا بأن يشمل السياسيين المسيحيين ، وبحيث لا يمكن لأي رئيس طائفة مسيحية أن يفرض أو يناقش إجماعا مسيحيا ولو على الخطوط العريضة المتوخاة ، وهنا الطامة الكبرى بأن ينتهي لقاء روما ولا تكون الطبقة المسيحية السياسية مهيأة لاستقبال نتائجه بروح الانفتاح والتلاقي في حده الأدنى !!