محاولات خارجية لإنقاذ لبنان «الغريق» بـ «قشّة» وليس لتشكيل حكومة

ما إن بدأ الحديث عن دخول روسي قوي الى لبنان من خلال زيارة وفد ستثماري يحمل في جعبته مشاريع ضخمة من بنى تحتية كبيرة، الى إعادة إعمار مرفأ بيروت، وتحديث مرفأ طرابلس، فضلاً عن اقتراح بناء محطّات لتوليد الطاقة، وتأهيل مصفاتين للنفط في لبنان، حتى تحرّكت دول الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية باتجاه لبنان لإنقاذه من الانهيار الشامل.علماً بأنّ الشعب اللبناني يعيش وضعاً اقتصادياً صعباً منذ أكثر من سنة ونصف، في ظلّ أزمة سياسية حكومية لا تعرف الى السبيل حلا حتى الساعة منذ 11 شهراً، ولم يُسارع أي من دول الخارج الى نجدته. ويمكن الحديث عن استثناء واحد حصل بعد انفجار مرفأ بيروت الذي زاد الوضع سوءاً بالنسبة لسكّان المناطق والأحياء القريبة من المرفأ، عن طريق تقديم مساعدات إنسانية للمنكوبين. فهل هذا التسابق بين دول الخارج على مساعدة لبنان سيوصل الى إيجاد حلول جذرية للأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة فضلاً عن تشكيل حكومة جديدة، أم سيُصبح لبنان مجدّداً ساحة لصراع هذه الدول واستعراض قواها على أرضه؟!

أوساط ديبلوماسية مطّلعة تقول إنّ دول الخارج الغربية والأوروبية والعربية لطالما تحدّثت عن أنّه ممنوع على لبنان الوصول الى الانهيار الشامل. فيما شهدت الأشهر الأخيرة تدهوراً كبيراً في الوضع الإقتصادي والمالي والإجتماعي، لا سيما مع الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار الأميركي وانخفاض القيمة الشرائية لليرة الى أدنى مستوياتها، فضلاً عن رفع الدعم عن المحروقات والسلع الغذائية وسواها... ولم يتدخّل أي من هذه الدول بشكل جدّي وفعلي لوضع حدّ لهذا التدهور، بل اكتفى كلّ منها بالطلب من المسؤولين اللبنانيين الإسراع في تشكيل الحكومة من دون أي ضغط عليهم. وبينما فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات متشدّدة على شخصيات من فريق 8 آذار أو حليفة له منذ فترة، هدّدت الدول الأوروبية بفرض العقوبات على شخصيات سياسية من الصفّ الثاني ولم تفعل حتى الآن، وربطت مع الدول العربية الخليجية مجتمعة تقديم المساعدات الدولية للبنان بمسألة تشكيل الحكومة الجديدة، كون الحكومة المستقيلة لا يُمكنها أن تعقد الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة.

وتقول الاوساط إنّ الإجتماع الثلاثي بين وزراء خارجية أميركا أنتوني بلينكن، وفرنسا جان - إيف لودريان، والسعودية الأمير فيصل بن فرحان الذي عُقد في إيطاليا الأسبوع الماضي، استُكمل من خلال سابقة ديبلوماسية تمثّلت بسفر كلّ من السفيرتين الأميركية دوروثي شيا، والفرنسية آن غريو الى السعودية للقاء مسؤولين سعوديين بهدف «منع الانفجار في لبنان». هذا الأمر الذي لم يحصل سابقاً، حتى خلال الحرب اللبنانية، على ما عقّبت الاوساط ، مستغرب جدّاً، فأن تغادر سفيرتان معتمدتان في لبنان الى دولة عربية أخرى لمناقشة الوضع اللبناني ومن دون وجود من يُمثّل لبنان فيه، وإن كانت المناقشات تتمحور حول تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اللبناني والعسكرية للجيش اللبناني، يوحي بأنّ لبنان بات «دولة عاجزة»، تحتاج الى «وصاية خارجية» عليها. وهذه الوصاية تفرضها هذه الدول عليه، من دون أن تأخذ برأيه حول هذا الأمر... كما تضع ما يجري في خانة إنقاذ لبنان الغريق بقشّة، وليس بالسعي الجدّي لإيجاد حلول جذرية للأزمة الإقتصادية التي لا تصطلح بطبيعة الحال، من دون تشكيل حكومة.

وبرأي الاوساط ، إنّ العروض التي تقدّمها روسيا لمساعدة لبنان على صعيد تأمين الطاقة والكهرباء، وإعادة إعمار ما تهدّم من مرفأ بيروت بفعل انفجار 4 آب الماضي المدمّر، وإن كانت جديّة، غير أنّها ستصطدم بالعراقيل التي يفرضها مبدأ عدم وجود حكومة فعلية باستطاعتها مواكبة كلّ هذه المشاريع والإتفاق والتوقيع عليها. علماً بأنّ الوفد الروسي أجرى محادثات عديدة مع بعض الوزراء في حكومة تصريف الاعمال، غير أنّ الموافقة على المشاريع تحتاج الى قرار رسمي من قبل حكومة فاعلة وليس مستقيلة. هذا فضلاً عن عراقيل أخرى تضعها دول المحور الأول أي أميركا وفرنسا ومعها الدول الأوروبية والسعودية وبعض الدول الخليجية، أمام المحور الثاني أي روسيا وحليفاتها لكيلا يكون لها أي دور مستقبلي فاعل في لبنان، وإن انتصرت في سوريا بفضل الدعم الإيراني لها.

ومن هنا، أكّدت الأوساط نفسها أي تحرّك باتجاه لبنان لا يُمكن أن يصل الى خاتمة سعيدة، ونتائج مرجوّة، في ظلّ حكومة دياب المستقيلة. ولهذا لا بدّ من تشكيل حكومة جديدة تقوم بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة لكي تحصل على الدعم الدولي لها، أو تعويم حكومة دياب فتتمكّن من توقيع الإتفاقيات المعروضة عليها من الدول المهتمّة بإنقاذ لبنان وتحسين وضعه الإقتصادي والمالي والإجتماعي.

ولكن حتى الآن، لا يبدو أنّ «إنقاذ لبنان» سيتمّ سريعاً من قبل أي محور، رغم الحركة التي نشهدها باتجاه لبنان، وإن كانت المحادثات تُعقد تارة في إيطاليا وطوراً في السعودية، وأخرى لاحقاً في بلدٍ آخر، وخصوصاً أنّ أي اتفاق لم يحصل بعد بين الولايات المتحدة وإيران، ولم يصل التقارب السعودي- الإيراني الى أي اتفاق بعد، ولا تزال واشنطن وموسكو تتنافسان على تقاسم الأدوار في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط ، ما يعني أنّ أي تسوية إقليمية ودولية لم تحدث حتى الآن، ما يجعل لبنان يقف على لائحة الانتظار رغم كلّ الحركة الديبلوماسية الناشطة «من أجل إنفاذه من الانفجار الكبير».

وأشارت الاوساط الى أنّ الولايات المتحدة والدول الحليفة لها تُحاول فرض نفسها في لبنان من باب تقديم المساعدات الإنسانية والعسكرية، فيما تسعى روسيا للدخول إليه من البوّابة الإقتصادية عن طريق تقديم مشاريع لإنقاذ الوضع الإقتصادي المتدهور. علماً بأنّ دولاً خارجية عديدة سبق وأن قدّمت اقتراحات شبيهة لمشاريعها ولم تلقَ أي تجاوب، بحجّة أنّ حكومة تصريف الأعمال لا يُمكنها عقد جلساتها واتخاذ قرارات رسمية في ما يتعلّق بمشاريع بنى تحتية وإعادة إعمار وما الى ذلك.

وتجد الأوساط عينها أنّ لبنان وسط هذين المحورين، سيكون كبش محرقة في ظلّ الانتظار.. وسيجري التنافس عمّن «يكسب» ورقة إعادة إعمار مرفأ بيروت، كونها ورقة استراتيجية رابحة في لبنان، سيما أنّها مفتوحة على كلّ دول المنطقة. والجميع بات على علم بأنّ القصور الذي تعرّض له مرفأ بيروت منذ الإنفجار المدوي في آب الماضي، جعل مرفأ حيفا في «الجانب الإسرائيلي» ينشط على حساب لبنان، الأمر الذي ساهم في ازدياد انهياره.

من هنا، فإنّ التدهور الإقنصادي في لبنان سيستمرّ، بحسب معلومات الاوساط ، وسيزداد تفاقماً أكثر فأكثر،لا سيما إذا ما سجّل الدولار الأميركي ارتفاعاً جديداً ولامس الـ 25 ألف ليرة أو أكثر... فكلّ مخرج صغير لحلّ أزمة معيّنة، مثل التعميم رقم 158 الصادر عن مصرف لبنان الذي أعطى المودعين الحقّ شهرياً في سحب 400 دولار أميركي و400 دولار في المقابل بالليرة اللبنانية على سعر الـ 12000 ل. ل.، على سبيل المثال، يُقابل بمشكلة جديدة تقف حائلاً دون تحقيق الانفراج، مثل ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء الذي ينعكس على أسعار جميع المواد والسلع والحاجيات. وهذا الأمر سيبقى قائماً ما دامت دول الخارج تتصارع ديبلوماسياً وإقتصادياً على الساحة الداخلية، من دون القيام بأي ضغط جدّي لتشكيل الحكومة، إنّما بخطوات «ترقيعية» للوضع العام، بدلاً من تنفيذ الخطة الاقتصادية المتكاملة للحكومة.