يجد البعض في الداخل والخارج، أنّ بقاء ورقة التكليف في جيب الرئيس المكلّف سعد الحريري وعدم تقديمه تشكيلة حكومية تُرضي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ثمّ يوقّع لكي تُبصر الحكومة الجديدة النور، هو أساس المشكلة. ويقول بأنّ اعتذار الحريري هو المدخل الى حلّ الأزمة السياسية التي يتخبّط بها البلد منذ استقالة حكومة الرئيس حسّان دياب بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، وتنعكس سلباً على الوضع الإقتصادي والمالي والمعيشي في البلاد. أمّا كارثة المرفأ التي وقبل الذكرى السنوية الأولى لها بشهر واحد تحديداً، اتخذ المحقّق العدلي القاضي طارق بيطار قراراً يقضي بالإدعاء على وزراء سابقين ونوّاب حاليين وقادة أمنيين بهدف كشف الحقيقة وسوق المسؤولين عن هذه الجريمة الى العدالة، فأمر آخر، سيما وأنّ الحصانات لا تزال «تحمي» حتى الآن غالبية الشخصيات التي وردت أسماؤهم في رزمة الإدعاءات..

فهل باعتذار الحريري تُحلّ أزمات البلد، علماً بأنّه ما إن لوّح بتقديمه للرئيس عون حتى ارتفع سعر الدولار الأميركي الى 20 ألف ليرة لبنانية، فكيف إذا فعلها؟علماً بأنّه عندما صعد في وقت سابق الى قصر بعبدا وفُهم من زيارته تلك أنّه سيقدّم تشكيلة حكومية جديدة للرئيس عون، انخفض سعر الدولار من 10 الى 6 آلاف في لحظتها.وهل هناك حلولاً أخرى تؤدّي فعلاً الى حلّ الأزمات المستشرية في البلاد والتي لم يعد الشعب اللبناني قادراً على تحمّلها بعد أن أوصلته الى الحضيض؟!

لم تعد المسألة تتوقّف على اعتذار الرئيس المكلّف أم عدم اعتذاره، تقول مصادر سياسية مواكبة لما يحصل على الساحة الداخلية. فثمّة أسئلة عدّة تُطرح هنا، لا بدّ من إيجاد الأجوبة عليها لمعرفة كيفية إيجاد المخرج المناسب للأزمة، وهي:

1-في حال اعتذر الحريري، هل من بديل جاهز حالياً، ترضى عنه جميع الأطراف التي تنوي المشاركة في الحكومة بما فيها «تيّار المستقبل» و «التيّار الوطني الحرّ»، فضلاً عن الدول الخارجية التي «تُقحم» نفسها بالتشكيل، مع الأسف، أي الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا والسعودية وروسيا وإيران وسواها؟

2- في حال اعتذر الحريري، هل سيُشارك «تيّار المستقبل» في الحكومة الجديدة، أم سيُفتح باب النقاش حول الميثاقية السنيّة الى جانب الميثاقية المسيحية؟ وهل ستتمّ المطالبة بالتالي باستقالة أو بتنحّي رئيس الجمهورية، ما يسمح بتجديد الجدال حول هذا الموضوع؟

3- في حال اعتذر الحريري، هل ستتمّ المحافظة على تشكيل حكومة من المستقلّين، المسمّين من الأحزاب السياسية، أم سيبدأ البحث مجدّداً عن نوع الحكومة الملائمة للظروف الحالية وعدد وزرائها وكيفية توزيع الحقائب على الأحزاب السياسية؟

4- في حال اعتذر الحريري، ألا نكون قد عدنا بالبلد الى تشرين الأول 2019، وتحديداً الى يوم تقديمه لاستقالته في 29 منه على أثر انتفاضة 17 تشرين تلبية لمطالب الشعب، من دون التنسيق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان يجمعهما «تسوية رئاسية» آنذاك أو أي جهة سياسية أخرى؟ ما يعني أنّنا نكون قد هدرنا سنة وستة أشهر من عمر الوطن، عرف خلالها أسوأ أزمة أقتصادية ومالية وإجتماعية غير مسبوقة في تاريخه الحديث، وانفجار مدمّر في مرفأ بيروت هو الثاني عالمياً بضخامته وبما نتج عنه من أعداد الضحايا (217 حتى الآن) والجرحى (نحو 5000 جريح) و200 ألف عائلة مشرّدة ومنكوبة، فضلاً عن الدمار الهائل الذي لحق بالمناطق المحيطة بالمرفأ، وبأحيائها ومبانيها ومؤسساتها ومستشفياتها والأديرة الكنائس فيها.

5- في حال اعتذر الحريري، هل سيكون «الشعب المنتفض» راضياً عن أي حكومة سياسية ستُشكّل أم سينزل الى الشارع مُجدّداً للمطالبة برحيل الطبقة الحاكمة مستعيداً شعار «كلّن يعني كلّن»، وبتشكيل حكومة بوجوه جديدة تُمثّل الشعب فعلياً؟

هذه الأسئلة وسواها، لا بدّ من طرحها، وإيجاد الأجوبة العملية عليها، على ما أكّدت المصادر نفسها من قبل الأطراف السياسية التي تُعطّل التشكيل، وتلك التي تقف متفرّجة على «التعطيل». والأهمّ من ذلك كلّه، هو أنّ أي خطوة سيتمّ اتخاذها من قبل الحريري أو سواه، لا بدّ من التوافق الداخلي عليها. فاعتذاره من دون توافر البديل المتوافق عليه من الجميع، يعيد الأمور الى المربّع الاول، ويُضيف إليها عقدة جديدة هي «التمثيل السنّي»، والمشاركة أو عدم المشاركة في الحكومة.

ففقدان الثقة بين المكوّنات السياسية هو الذي أوصل البلاد الى هذا الدرك، على ما أضافت المصادر، وهو الذي لن يجعل أي حكومة تُشكّل برئاسة الحريري أو بسواه تنال ثقة الشعب اللبناني، وإن تخطّت امتحان نيل الثقة في المجلس النيابي. كذلك فليس أي رئيس حكومة جديد يستطيع كسب ثقة المجتمع الدولي إلاّ إذا كان معروفاً منه، وسبق له وأن حصل على ثقته.

وبرأي الاوساط، إنّ الأزمة حالياً ليست أزمة نظام، ما دام الدستور قائماً، وإن كانت تشوبه بعض الثغرات التي لا بدّ من التوافق لتعديلها لا سيما تحديد المهل لعدم الوصول في كلّ مرّة أمام تشكيل حكومة جديدة الى مرحلة طويلة من الجمود السياسي، إنّما هي أزمة فقدان الثقة داخلياً وخارجياً..فكما أنّ دول الخارج لم تعد تثق بالمسؤولين اللبنانيين «المتهمين بغالبيتهم بالفساد وبسرقة أموال الشعب»، لم يعد الشعب اللبناني بالتالي يثق بأي كان في الداخل والخارج بأنّه يريد فعلاً مساعدته وتأمين مصلحته. فدول الخارج التي تتزاحم لتقديم يدّ المساعدة للشعب اللبناني، وينتج عن المؤتمرات التي تُعقد لدعمه تقديم مساعدات عينية أو إنسانية تُقدّر بملايين الدولارات، لا تفي معظم الوقت بوعودها هذه، والدليل أنّ وضع اللبناني يبقى على حاله من دون إحراز أي تقدّم ملموس.

وأكّدت المصادر عينها أنّ الشعب اللبناني ليس شعباً شحّاذاً، وليس معتاداً على الإستعطاء رغم كلّ المحن التي يُواجهها يومياً، إذ لا يزال يستطيع إعالة نفسه بنفسه، وكلّ ما يُطالب به هو أن تقوم الحكومة بتخفيف بعض الأعباء عن كاهله. وهذا الامر يتطلّب اتخاذ إجراءات جريئة مثل تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي على سعر منخفض أولاً، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على أسعار المحروقات وجميع السلع الغذائية والحاجيات الضرورية، كما على الرواتب التي لا تزال تُحسب على الألف و500 ليرة للدولار الواحد،فضلاً عن اتخاذ القرارات التي تسمح له باستعادة أمواله المتبقية في المصارف، بالعملات الأجنبية، وبالليرة اللبنانية كاملة، بدلاً من استصدار تعاميم واهية تُعطيه القليل من حسابه المصرفي بهدف مصادرة ما يتبقّى منه، الى جانب الإحتياطي الإلزامي.