برنار ـ هنري ليفي، نبي «الربيع العربي»، وفقاً للرؤية، والرؤيا، التوراتية، رأى فينا ثقافة الضوضاء (ضمناً ثقافة الغوغاء). لا اميليو زاباتا، ولا تشي غيفارا. بالكاد ... غوار الطوشي!

كيف يمكن لقوى التغيير، ودون أن تطرح أي تصور للصيغة البديلة، أن تراهن على اعادة انتاج السلطة عبر صناديق الاقتراع ؟ هذه نظرة دونكيشوتية للمشهد. لا تغيير الا باحداث انقلاب دراماتيكي في المفاهيم السوسيولوجية، وحتى السيكولوجية، للمجتمعات اللبنانية  لا للمجتمع اللبناني.

هل باستطاعتنا، وفي هذا المحيط الذي يتأرجح بين جاذبية الغيب وجاذبية العدم، اقامة دولة مدنية لا أثر فيها للطائفية التي تأكل عظامنا، حين يحزم الآخرون حقائبهم للانتقال من الزمن الى ما بعد الزمن ؟

ما نراه هناك وهناك، كمؤشر للتغيير، فقاعات نخبوية لا تعدو كونها الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل. حتى الآن، قوى التغيير اياها، والتي بين أركانها بعض ديناصورات الطائفية، الداعين الى دولة الكانتونات، يبدو وكأنها تتبنى قانون الانتخاب اياه، القانون الهمجي الذي لا يليق حتى بالقردة بتكريس الستاتيكو الطائفي بكل أهواله.

ماذا يعني أن تزيد «القوات اللبنانية»، ومن خلال استنفار «المجتمع المسيحي»، عدد مقاعدها النيابية على حساب التيار الوطني الحر، الذاهب أكثر فأكثر في التآكل، بعد التجربة المريرة للجنرال في السلطة، وبعد سنوات من الامساك (وبالأسنان) لحقيبة الطاقة التي تحولت الى ظاهرة تاريخية في الفساد، وفي العجز. وكان صاحب الفخامة قد بشرنا، من احدى شرفات القصر، كـوننا «شعب لبنان العظيم»، بأننا سنكون أمام العهد ـ المعجزة...

حقاً، يا للعهد ـ المعجزة، كما لو أن فخامته لم يكن يعلم أن من تأتي به الصفقة، لا بد أن تذهب به الصفقة. لاحظتم كم كان سعد الحريري مضحكاً في تبريره للصفقة التي كما لو أنها ليست القاعدة الفلسفية للجمهورية العرجاء...

وماذا يعني أن يستنفر «تيار المستقبل»»المجتمع السني»لزيادة عدد نوابه، على غرار الطوائف (القبائل) الأخرى المعلبة، كما الأسماك المبردة، في دولة لطالما وصفناها بصندوق العجائب ؟ على أيدي هؤلاء، صندوق العجائب بات ... صندوق الكوارث.

اذا أخذنا برأي المطران الجليل جورج خضر، أين هو برنامج، وحتى ورقة،  قوى التغيير (القوى الملتبسة) لنقل لبنان من «واقع الركام» الى «واقع الجماعة»، ما دمنا نصرّ على البقاء في سراويل القناصل، وما دامت عدوى الاعتلال الايديولوجي والاعتلال السوسيولوجي تذرونا كما الرمال الميتة..

نستعيد ما قاله لنا الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ـ ديستان، حين كان رئيساً للجنة الدستور في الاتحاد الأوروبي «لا وجود لدول (عربية) في الشرق الأوسط لغياب الضمير السياسي ،ولا وجود لمجتمعات (عربية) في غياب الضمير الاجتماعي». شتان ما بين الضمير السياسي والضمير الطائفي. ما بين الضمير الاجتماعي والضمير القبلي.

وحتى اذا ما تنحى رئيس الجمهورية، كما يدعو البعض, هل يمكن لنجوم المغارة أن يتفقوا على الرئيس البديل، وهم داخل تلك المتاهة الاقليمية والدولية ؟

أي بديل ذاك، وماذا يمكنه أن يفعل بالصلاحيات الهشة (الصلاحيات الضبابية)، وبالمناخ الشكسبيري للصفقة (لعبة الأشباح ولعبة الدمى)، أكثر من أن يكون «شاهد ما شافش حاجة» على موت الدور المسيحي في لبنان ؟

في مجتمعنا المركب طائفياً، وقبلياً، وبأيدي من يسوقون المنطقة بالعصا، لا مجال البتة للثورة (هذا زمن الأسواق، لا زمن الثورات). حتى التسوية لا بد أن تكون آنية، وخالية من الرؤية المستقبلية، ناهيك عن كونها قابلة للعطب.

أي عملية جراحية تعني الحرب الأهلية التي لابد أن تكون حرب المائة عام في ظل الهلهلة الاقليمية، أحمد أبو الغيط تعهد باستمرار الجامعة العربية (بكل مواصفات التخشيبة) في مد يد العون الى لبنان. هل تراه يوزع الكافيار على الجوعى ؟

لا سبيل أمامنا سوى انتظار التحول في المعادلات، وفي العلاقات، الاقليمية والدولية. على ضوء هذه التحولات، أيها الثوار الأعزاء، نعلم أي حكومة في الطريق الينا، أي رئيس جمهورية، بل أي جمهورية. عينكم على فيينا، وعلى ايقاع سنفونية الدانوب الأزرق...

الأكثر قراءة

ايران... لغز الألغاز!