مع اقتراب نهاية ولايته الدستورية ما زال رئيس الجمهورية ميشال عون يفتش عن حكومة عهده، فلم تكن الاولى بعد انتخابه، برئاسة سعد الحريري، ولا بعد تصحيح التمثيل الطائفي، لا سيما المسيحي في الانتخابات النيابية على قانون النسبية والصوت التفضيلي، وهو يريد في نهاية عهده ان تكون له حكومة تنقذ لبنان من الانهيار، الذي لم يشهده منذ منتصف القرن التاسع عشر وفق تقرير البنك الدولي، وبات ليس دولة فاشلة، بل دولة الى زوال، بتوصيف مرجعيات دولية واقليمية حيث تضرب المجاعة والفقر، وفقدان الدواء والمواد الغذائية الاساسية، وان وجدت فبأسعار تضاعفت الى نحو ألف في المائة».

فمع تحديد الرئيس عون للاستشارات النيابية الملزمة الاثنين المقبل فإن مشاورات سياسية ملزمة، يجب ان تسبقها، بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري، وامتناعه عن طرح الاسم البديل، ورفعه سقف الشروط امام من سيخلفه، في موقع لا يمكن للطائفة السنية ان تفرّط بالحقوق التي اكتسبتها في اتفاق الطائف ولم يعد رئيس الحكومة يسميه رئىس الجمهورية بل تسميه كتل نيابية، تلتقي على اسم شخصية ما، لكنها وفق معيار الميثاقية التي يشترطها رئيس الجمهورية، تطبيقا للدستور وما لا يقبله في الصيغ التي قدمها له الحريري لانها لا تمثل التوازن الطائفي ولا الميثاقية، فكان يرفضها، وهو امام امتحان ان لا يقبل رئيس حكومة لا يمثل في طائفته، وهو المعيار الذي سرى على عون عند ترشحه ولرئاسة الجمهورية وانتخابه لها.

فالاسم الذي يجري البحث عنه ليكلف تشكيل الحكومة عليه ان يمر بمعابر ثلاثة، بيت الوسط، وان يطرحه الرئيس الحريري ليحصل على غطاء سياسي وشعبي، ثم نادي رؤساء الحكومات السابقين والثالث وهو دار الفتوى والمجلس الشرعي الاسلامي الاعلى وان اي اسم لا يعتبر منهم لا يكون اختيار الطائفة السنية والتجارب عديدة قبل اتفاق الطائف وبعده، لان لبنان لم يحرر نظامه السياسي من الطائفية وفق قراءة مصدر سياسي الذي يرى أن مشاورات سياسية ونيابية باتت ضرورة للتوافق على اسم ينال رضى طائفته تطبيقا لشعار رفعه الرئيس عون ومعه رئيس تياره السياسي جبران باسيل الاقوى في طائفته وهو معيار ملزم رئيس الجمهورية ان يتقيد به.

وخلال الايام الفاصلة عن الاستشارات النيابية فإن سلة الاسماءالمتداول بها للتكليف محدودة من الرئيس نجيب ميقاتي الى النائب فيصل كرامي والسفير نواف سلام، الا ان السفينة لم ترسُ على المرفأ، فما زالت في البحر تتلاطمها الامواج، اذ ان المشاورات النيابية، لم تتوصل الى البديل عن الحريري، الذي هو من يفتح الطريق امام من سيسلكهاالى السراي، وهو يتشاور مع الرئيس نبيه بري، للاتفاق على اسم كان رئيس مجلس النواب، يطرح السؤال عليه، وهو «اذا ما اعتذرت من هو البديل»، فكان الحريري يلوذ بالصمت، او يرد بجواب مقتضب، الى حينه نبحث في الموضوع، اذ يحاول بري تسويق ميقاتي مع الحريري وان تسميته له، تمنحه دعما سياسيا، وهو أحد اعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين، الذي سانده في معركته ضد عون وباسيل، اذ ووفق المصدر، فان تكليف ميقاتي سيكون امتدادا للحريري، ولن يقدم تنازلات، وسيبدأ من حيث اعتذر الرئيس المكلف، وهو لذلك لا يرفض ان يخوض تجربته الثالثة في السراي، لكن من غير قيود، اولا من الرئيس عون وفريقه، وهو الذي يقف معارضا لعهده.

ومع تقدم اسم الرئيس ميقاتي، فان رئيس «تيار الكرامة» فيصل كرامي، حجز له مقعدا بين المرشحين لرئاسة الحكومة، وهو يلقى دعم زملائه في «اللقاء التشاوري» للنواب السنة من خارج أحادية «تيار المستقبل» اذ تؤكد مصادر في اللقاء، ان كرامي هو مرشحه، كما كان سابقا النائب عبد الرحيم مراد، وان اتصالات يجريها اللقاء مع حلفاء في كتل نيابية ليحظى بتأييدها، وان المشهد قريب الى ما كان في عام 2005، اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية، واصرار الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش، الذي كان يصر على اجراء الانتخابات النيابية في لبنان بموعدها تحت شعار تعميم الديموقراطية في «الشرق الاوسط الكبير»، فكان اقتراح اسم الرئيس ميقاتي لرئاسة حكومة انتخابات لا يترشح لها، ورشح فريق 8 آذار مراد، لكن خلط اوراق حصل، وتبدل تحالفات وضغط دولي مارسه مندوب الامم المتحدة تيري رود لارسن، اتى بميقاتي رئيساً لحكومة، دخلها للمرة الاولى «حزب الله» من خلال الوزير طراد حماده.

وقد يتكرر السيناريو نفسه للعام 2005، مع اصرار المجتمع الدولي على اجراء الانتخابات النيابية، بموعدها، لاحداث تغيير في الطبقة السياسية الحاكمة، على غرار ما كان يراد قبل 16 عاما، اجتثاث رموز النظام الامني السوري - اللبناني، والمجيء باكثرية نيابية لمصلحة قوى 14 آذار، امنها التحالف الرباعي المكون من حركة «امل» و«حزب الله» و«تيار المستقبل» والحزب التقدمي الاشتراكي، وان اصرار اطراف دولية واقليمية على اجراء الانتخابات، قد يكون هدفه، اسقاط الاكثرية النيابية التي حظي بها «حزب الله» وحلفاؤه الدورة الماضية عام 2018.

وبين تقدم اسمي ميقاتي وكرامي، لا يغيب عن التداول اسم السفير سلام، الذي يحظى بتأييد اميركي - سعودي ولا يرى ترحيباً من قوى سياسية سنية، اذ ان حظوظ سلام تبقى قائمة، مع انفتاح باسيل على قبوله، بالرغم من «فيتو حزب الله» عليه، لكن قد يحصل قبول له، يقول المصدر، ويكون اشبه برئيس حكومة العراق مصطفى الكاظمي، الذي هو نتاج توافق اقليمي - دولي عليه، ويؤدي دوراً في الحوار السعودي - الايراني، كما في ازمات اخرى.

ان الاستشارات النيابية، مطروحة للتأجيل، اذا لم تتمكن المشاورات السياسية، من التوافق على اسم رئيس مكلف يحظى باكثرية نيابية.