بعد ان كلف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة باكثرية نيابية موصوفة، ما هي فرص نجاحه في مهمته؟ من الصعب التكهن مسبقا في هذا الموضوع، فنسبة نجاح التأليف تكاد تكون مساوية لنسبة الفشل او اكثر قليلا. وقد يكون كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد في بعبدا امس اصدق تعبير في توصيف فرصة تأليف الحكومة بقوله «ان هناك امكانية للتأليف، ونحن ندعم هذه الامكانية ونسمي الرئيس ميقاتي».

وقبل ان يتكلف رسميا، باشر ميقاتي لقاءات تمهيدية بعيدا عن الاعلام شملت قيادات وقوى سياسية الى جانب التشاور والتداول مع المرجعيات السياسية السنية، وفي مقدمهم سعد الحريري و»نادي رؤساء الحكومات السابقين» الذي يضمه والحريري والسنيورة وسلام.

وعل الرغم من تكتم ميقاتي او حرصه على عدم الحديث عن اي شيء يتعلق بتشكيل الحكومة قبل اجرائه الاستشارات النيابية للتأليف، فان الاجواء التي سبقت تكليفه تؤشر بوضوح الى انه لا يستطيع ان ينزل تحت سقف بعض الثوابت التي تمسك بها سلفه الحريري، لا سيما بندين اثنين:

- اولا رفض اي شكل من اشكال اعطاء الثلث المعطل في الحكومة لاي طرف من الاطراف. - ثانيا تشكيل الحكومة من وزراء اختصاصيين غير حزبيين، وليس معروفا ما اذا كان سيطعمها باربعة وزراء دولة من السياسيين كما اقترح سابقا خلال تكليف الحريري.

وفي اعتقاد مصدر سياسي مطلع ان هناك عناصر ايجابية يمكن وضعها في خانة تعزيز او تحسين فرص نجاح ميقاتي في تاليف الحكومة ابرزها:

١- الدعم الدولي الذي يحظى به لا سيما من فرنسا والمجموعة الاوربية، وعدم ممانعة الادارة الاميركية وورضاها على تكليفه، ويمكن التذكير في هذا المجال بموقف السفير دايفيد هيل في وقت سابق خلال لقائه معه عندما فاتحه بسؤال ايجابي عن تكليفه.

٢- تمايز موقف السعودية عن موقفها من الحريري الذي واجه ما يشبه «الفيتو» غير المعلن طوال فترة تكليفه، ولم تنجح وساطة فرنسا ومصر والامارات في كسر هذا «الفيتو».

واذا كانت الرياض ما تزال تلتزم النأي بالنفس او ادارة الظهر للشأن الحكومي اللبناني، ولا تبدي رأيا صريحا بهذا المرشح او ذاك، فانها في الوقت نفسه لن تكون متشددة تجاه ميقاتي كما فعلت مع الحريري، بل ان هناك من يتوقع ان تكون مرنة تجاهه لاسباب عديدة منها العلاقات التي ينسجها مع بعض المسؤولين السعوديين، الاجواء الدولية التي يبدو انها ستؤدي دورا في تخفيف تشددها، خصوصا بعد اجتماع وزراء خارجية الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والسعودية مؤخرا، وما تلاه من تحرك لحث الرياض على القيام بدور مساعد تجاه لبنان.

٣- الغطاء المحلي الواضح والوازن لتكليفه الذي تأكد في نتيجة الاستشارات النيابية امس، رغم امتناع الثنائي المسيحي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية عن تسميته لاسباب وغايات مختلفة.

ومما لا شك فيه ان اعلان كتلة حزب الله النيابية تسمية ميقاتي، بعد ان كانت تجنبت تسمية الحريري رغم دعمها لترشيحه، يشكل اشارة واضحة لمصلحة دعمه ورسالة صريحة للآخرين من اجل تسهيل مهمته.

وبرأي المصدر ان موقف الحزب هذا لا يُحسب فقط في اطار زيادة رقم رصيده النيابي للتكليف والتأليف، بل يعطي انطباعا واضحا بانه سيساهم في المساعدة على تجاوز العقبات المحتملة لتشكيل الحكومة في اسرع وقت، كما ان تمايزه عن موقف حليفه التيار الوطني الحر في هذا الموضوع، يعزز الاعتقاد بانزعاجه من مواقف النائب باسيل الاخيرة، لا سيما من حديثه حول تأييده للسفير نواف سلام وتفضيله على ميقاتي.

٤- الغطاء العربي الذي يحظى به ميقاتي كما الحريري، اكان من خلال الدعم المصري او من خلال العلاقة المتينة التي تربطه بدول الخليج ودول عربية اخرى.

٥- موقف الرئيس ميشال عون الاخير الذي حرص على تظهير رأيه بميقاتي عشية التكليف بوصفه اياه بانه يجيد تدوير الزوايا، وبالاعلان عن استعداده للتعاون معه والتلاقي في منتصف الطريق.

وباعتقاد المصدر السياسي، ان علاقة عون بميقاتي تختلف عن علاقته بالحريري، وان كانت ليست نموذجية واقرب الى البرودة، لكنها ليست صدامية مثلما هي الحال بين عون والحريري.

6- ولعل ابرز العناصر التي تندرج ايضا في اطار تحسين فرص نجاح ميقاتي، ما وصل اليه الوضع من حالة انهيار واهتراء على كل المستويات ، ما يعطي انطباعا بان المحاولة الجديدة لتأليف الحكومة هي الفرصة الاخيرة التي ربما لا تعوض.

وقد عبر عن هذا التوصيف بنسبة كبيرة المكتب السياسي لحركة امل امس حين دعا الى «ضرورة الاستفادة من اللحظة التي سنحت بفتح افق الواقع السياسي المتأزم». ورأى « ان هذه الفرصة التي تكاد تكون الاخيرة من فرص وقف الانحدار المريع لبنانيا وتشكيل حكومة تستطيع ان تعبر بسفينة الوطن في ظل ما يرسم اقليميا للمنطقة وما يدور فيها كيلا تاتي الحلول على حساب لبنان.»

اما العناصر التي تساهم في تقليل فرص نجاح ميقاتي في تأليف الحكومة، فيبدو انها محلية بنسبة عالية اكثر مما هي خارجية، وابرزها برأي المصدر:

١- موقف التيار الوطني الحر ورئيسه باسيل الذي ذهب منذ اللحظة الاولى لطرح اسم ميقاتي الى المعارضة والممانعة على طريقته رافضا تسميته، وشن عليه حملة على لسان بعض نوابه ومسؤولي تياره تكاد توازي الحملة على الحريري.

وتقول مصادر مطلعة، ان باسيل مصمم على عدم التخلي عن تشدده في سعيه لتسمية معظم الوزراء المسيحيين انسجاما مع استراتيجيته وشعاره الشعبوي الذي يرفعه بالدفاع عن حقوق المسيحيين لاعادة استنهاض وضعه في الشارع المسيحي تمهيدا للانتخابات النيابية المقبلة.

وسيسعى باسيل ايضا للحصول على الثلث المعطل بشكل او بآخر، لكن مطلبه هذا سيواجه مرة اخرى بمعارضة قوية ليس من ميقاتي فحسب، بل من باقي القوى السياسية ومنها حزب الله الذي لن يسايره او يدعمه في هذا المطلب. وعلى الرغم من حرص الحزب على العلاقة التحالفية مع باسيل والتيار، الا انه لا يقبل ان يؤدي دور المدافع عن كل مطالبه وطموحاته، خصوصا اذا ما اختلطت هذه الطموحات بمواقف تتعارض مع سياسة واستراتيجية حزب الله.

٢- لن تكون طريق مفاوضات ميقاتي مع عون معبّدة، وسيواجه معه العقبات نفسها التي واجهها سلفه الحريري، خصوصا بالنسبة لعقدتي وزارتي الداخلية والعدل اللتين تعتبران من ابرز الوزارات في مرحلة الذهاب الى الانتخابات النيابية المقبلة. ومن السابق لاوانه حسم مصير هذا التفاوض، لكن ميقاتي لا يحبذ ان تكون وزارة الداخلية محسوبة على اي طرف وسيسعى الى اسنادها الى شخصية مستقلة موثوق بها بغض النظر عن هويتها الطائفية.

٣- وفي شان الموقف الخارجي، فانه على الرغم من الغطاء الدولي والعربي الذي يستند اليه ميقاتي، فان علامات الاستفهام تبقى مطروحة حول الموقف السعودي الذي يشكل العمود الفقري للموقف الخليجي، فهل تمنح الرياض ميقاتي ما حجبته عن الحريري؟

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب