تماما كما كان متوقعا، بان اسم البديل للرئيس المعتذر سعد الحريري لن يكون الا بالاتفاق والتنسيق بينه وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري. تكلّف ابن الفيحاء للمرة الثالثة بتشكيل حكومة «الانقاذ» المنتظرة، محصنا سنيا، فحصد 72 صوتا، لكنه بقي «منغصا» مسيحيا بامتناع اكبر كتلتين مسيحيتين ، تكتل لبنان القوي وكتلة الجمهورية القوية، عن تسميته والذهاب باتجاه عدم تسمية احد باسشارات نيابية ملزمة لم ترجأ على عكس كل التوقعات.

على قاعدة «مرغما اخاك لا بطل»، نزع الحريري عنه عباءة الدعم السنية ليُلبسها الى خلفه، الذي وقف الى جانبه في عز الصراع الحكومي، فمنح موافقته ودعمه لتكليف احد اعضاء «نادي رؤساء الحكومات السابقين» نجيب ميقاتي الذي اخذ على عاتقه «كرة النار» باصعب ظروف تمر بها البلاد.

قد يرى فريق معين ان تجربتي ميقاتي الحكوميتين في العام 2005 و2011 ، لم تكن مشجعة، وان في سجلّ الرجل الطرابسي اكثر من ملف يُسأل عنه، من النزوح السوري الى ما يقوله البعض عن ملفات فساد ودعاوى قضائية، لكن ابن طرابلس نجح بتصوير نفسه في الحالات الثلاث (في العام 2005 و2011) عندما كانت البلاد على كفة غليان في الشارع واغتيالات من كل حدب وصوب، وللمفارقة نجح اليوم ايضا بظروف اصعب اقتصاديا واجتماعيا من السياسية والامنية التي كانت سائدة سابقا، على انه رجل الانقاذ.

فهل سينجح ميقاتي حيث فشل الحريري؟ او ان سيناريو سعد سيتكرر مع نجيب لا في التكليف فحسب، بل بالتاليف ايضا فينتهي باعتذار ليس ببعيد؟ مصادر مقربة من ميقاتي تجيب: بالتأكيد بان ما يريده الرئيس المكلف ويرغب به هو تأليف حكومة سريعا، الا ان الاهم هو، في تأكيد المصادر، بان ميقاتي لم يُلزم نفسه بمهلة محددة كمهلة 4 آب او 5 آب، الا انه في الوقت نفسه لن يسمح لنفسه بان تمتد مهلة التاليف لاشهر طويلة.

هل تمسك ميقاتي بمبادرة بري القائمة على 24 وزيرا؟ او يتجه لاعادة البحث بطرحه الاساس اي حكومة من 20 تكنوسياسية من 6 سياسيين و14 اختصاصيين؟ تؤكد مصادر ميقاتي ان كل الخيارات مفتوحة ولا شيء محسوما بعد، لكن الامر يتطلب «بالاول يقعد مع رئيس الجمهورية» ، الا ان المعلومات تفيد، بان ميقاتي سيتمسك وعلى غرار سلفه الحريري بحكومة اختصاصيين وفق مبادئ المبادرة الفرنسية، لاسيما ان فرنسا هي الاساس وراء دعم تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة، وكان واضحا كلامه بالامس، بانه سيعمل على تنفيذ المبادرة الفرنسية، الا ان هذا الامر لا يعني عدم رغبة ميقاتي بتشكيل حكومة تكنوسياسية ، يضم فيها بعض السياسيين ومنهم النائب نقولا نحاس اضافة الى اسماء كان الحريري زكاها كفراس الابيض لوزارة الصحة، وتؤكد المعلومات ان ميقاتي سينطلق من حكومة من 24 وزيرا.

وهنا تشير مصادر مطلعة على جو الثنائي الشيعي بان ميقاتي لا يستطيع الخروج عن الشروط التي كان وضعها الحريري للتأليف ، الا انها تحرص في الوقت نفسه على التأكيد بان ميقاتي مرن ويجيد تدوير الزوايا  وليس شخصية صدامية، والدليل انه اجرى بعض المشاورات البعيدة عن الاضواء قبل قبول التكليف وابرزها مع رئيس التيار الوطني الحر الذي لبى دعوته للعشاء ليل السبت، حيث ساد اللقاء بحسب المعلومات جو مفاده وجوب التعاون وطي صفحة الماضي والنظر للامام لا للوراء ، وهذا يشير بحسب المصادر الى ان لا خلاف شخصيا بين ميقاتي وباسيل على عكس الحريري وباسيل، والظاهر ان الرجل انتهج منذ البداية سياسية في التشاور لا تشبه سياسة سلفه.وهنا، تعيدك المصادر الى ما قاله ميقاتي بعد تكليفه معلنا انه ملتزم بتنفيذ المبادرة الفرنسية، وان ما قام به خطوة صعبة، لكنه مطمئن لامتلاكه ضمانات خارجية ، طالبا التعاون مع الجميع، وهذا الاهم بحسب المصادر.

لكن هل سيؤلف ميقاتي حكومة خلال ايام او اسابيع قليلة؟ تشدد المصادر على ان حظوظ التشكيل جيدة، لكن ليس ضمن المهل التي يحكى عنها اعلاميا اي 4 آب او قبل ذلك، لتضيف: القصة صعبة، لان هناك كتلة وازنة كالتيار الوطني الحر لم تسمه، الا اذا اعطيت هذه الكتلة ما تريده.

وفي هذا السياق، لفتت المعلومات التي راجت امس عن طلب باسيل خلال العشاء الذي جمعه بميقاتي ليل السبت ان تكون له وزارة الداخيلة، وان ميقاتي رفض الامر، الا ان الطرفين حرصا على نفي هذه المعلومات ، وهنا تشير المعلومات ، الى ان التيار الذي لم يسم ميقاتي ، يتجه ايضا لعدم المشاركة بالحكومة، لكنه لا يضع «فيتو» امام احتمال اعطاء الثقة للحكومة ، اذ تؤكد المعلومات ان باسيل، وفي حال اتفق مع ميقاتي على حل وسط على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، واذا التزم الرئيس المكلف بالاصلاحات المطلوبة، فعندها لن يعطل باسيل التأليف وقد يمنح الثقة لميقاتي.

وفي هذا السياق كشفت مصادر مطلعة بان ميقاتي أبلغ بعض المعنيين بالتأليف، وتحديدا حزب الله، انه متمسك بوزارة الداخلية من دون ان يشترط ان يتولاها سني. الاكيد حتى اللحظة ان المعنيين بمسألة تشكيل الحكومة دستوريا، اي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، ابديا كل تعاون للاسراع بالمهمة، وهنا كشفت مصادر خاصة بان لقاء عون بميقاتي في بعبدا امس، ومع انه لم يكن طويلا كان وديا، بادر خلاله رئيس الجمهورية الرئيس المكلف بالقول : «بدنا نساعد بعضنا لننقذ البلد»، فابدى ميقاتي كل ايجابية.وتشير المصادر الى ان ميقاتي كان ابدى كل تعاون مع عون حتى قبل الاستشارات، اذ قال انه يعتبر الرئيس عون شريكا كاملا بالتأليف، وهذا ما اعتبرته مصادر مطلعة على جو قصر بعبدا بمثابة نقلة نوعية لجهة احترام نصوص الدستور، لافتة الى انه يبدو ان ميقاتي لم يلزم نفسه بوعود كما فعل الحريري.

وهنا تتوقف المصادر لتقول: صحيح ان ميقاتي ابدى كل ايجابية والطرفين توافقا على مبدأ التعاون والاسراع بتشكيل الحكومة، لكن العبرة تبقى بالتأليف ، وهذا الامر لا يترجم الا عند الدخول بتفاصيل عملية التشكيل بالتعاون مع الرئيس عون، وتكشف هنا اوساط بارزة ان عون وميقاتي اتفقا على تسريع وتيرة اللقاءات المرتقبة في ما بينهما على ان يشهد الاسبوع الحالي على اكثر من لقاء بين الرجلين.

على اي حال وبالانتظار، فاليوم ستدلي كل كتلة في الاستشارات النيابية غير الملزمة ، بدلوها ومطالبها في مجلس النواب ، وبطبيعة الحال من المتوقع ان تترفّع الكتل ، اقله كلاميا ونظريا، عن اي مطلب، الا ان الاهم هو في اللقاءات التي سيعقدها ميقاتي ما بعد الاستشارات الشكلية اليوم، وما سيطرح على طاولة هذه اللقاءات من تسوية من هنا واخرى من هناك! 

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق