يشهد الاسبوع المقبل اعتبارا من يوم غد الاثنين بدء مرحلة المفاوضات الصعبة بين رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي ورئيس الجمهورية ميشال عون حول التشكيلة الحكومية، يقطعها يوم 4 آب الذكرى السنوية الاولى لانفجار المرفأ وما خلفه من نتائج مأسوية ومدمرة ومن تداعيات واهتزازات كبيرة.

ومن المنتظر ان تتركز هذه المفاوضات على توزيع الحقائب لا سيما حقيبتي الداخلية والعدل اللتين اصبحتا العقدة الام في وجه تأليف الحكومة بعد ارتفاع درجة تصنيفهما وتمييزهما عن سائر الوزارات السيادية والمهمة نظرا لدورهما في الانتخابات النيابية في ايار المقبل وفي الملفات القضائية والحيوية.

وعشية اللقاء الرابع الذي سيعقد بين عون وميقاتي غدا قال مصدر مطلع لـ «الديار» امس ان المشاورات التي تكثفت بعيدا عن الاضواء في اليومين الماضيين لم تلامس عقدتي وزارتي الداخلية والعدل، ولم تؤد الى نتائج مستجدة في خصوصهما.

ولفت الى ان الاجواء التي رشحت عن بعبدا في الساعات الماضية افادت بان رئيس الجمهورية ما زال متمسكا ومصرا على موقفه السابق الذي كان شدد عليه مع الرئيس الحريري، وانه يطالب بان تكون الوزارتين من حصة المسيحيين، من دون الدخول في تفاصيل طريقة تسمية الوزيرين او هويتهما.

واشار المصدر الى ان هذه المعلومات والاجواء وصلت الى الرئيس ميقاتي مجدداً، وهي تعتبر تراجعا عما سمعه من مستشار رئيس الجمهورية الوزير السابق سليم جريصاتي مؤخرا بالموافقة على ان تكون وزارة العدل من حصة السنّة مقابل ان تعود وزارة الداخلية للمسيحيين.

لكن المصدر قال ان هذه الصيغة لم تطرح بعد على طاولة البحث بين عون وميقاتي، لا بل ان الرئيسين في اجتماعهما الثالث الاخير تجنبا لخوض في مشكلة عقدتي الداخلية والعدل، وتركا هذا الموضوع لبحث لاحق.

وعلمت «الديار» ان عون وميقاتي حرصا في هذا الاجتماع على النقاش بمرونة في الحقائب الاخرى وفي اجواء ايجابية على مدى ساعة وعشر دقائق، وان رئيس الجمهورية كان المبادر الى تحديد موعد اللقاء الرابع غدا الاثنين.

وردا على سؤال قال المصدر ان الرئيس عون يبدو مصرا على ان تكون وزارة الداخلية من حصة المسيحيين، وانه ما زال ايضا يريد وزارة العدل مع امكانية التخلي عنها في حال حسم عقدة الداخلية في مرحلة التفاوض المقبلة.

اما الرئيس ميقاتي فقد حرص على عدم الحديث في هذا الموضوع بانتظار البحث الجدي مع رئيس الجمهورية وقالت مصادر مقربة منه لـ «الديار» دعونا لا نحرق المراحل فالرئيس ميقاتي له اسلوبه الذي بدأه فور تكليفه مباشرة، وهو سيستمر عليه.

لكن الاجواء التي تسرّبت امس اكدت في الوقت نفسه ان هناك اصرارا مماثلا من رؤساء الحكومات السابقين والمراجع السياسية السنيّة على عدم التنازل عن وزارة الداخلية، ما يعطي انطباعا بان هذا الاصرار المتبادل سيخلق جوا من الكباش مع بدء المفاوضات الجدية حول هذه العقدة غدا.

ووفقا للمعلومات التي توافرت لـ «الديار» امس فان اجتماع الغد سيكون مهما لكنه لن يكون مفصليا او حاسماً، وان كلا من عون وميقاتي يميلان الى عدم تظهير الخلاف حول وزارة الداخلية وافساح المجال امام المزيد من البحث والاخذ والردّ.

وتضيف المعلومات ان اجتماعا آخر سيلي اجتماع غد الاثنين يرجح عقده يوم الخميس المقبل بعد مرور ذكرى انفجار المرفأ وما سيشهده يوم الاربعاء في هذه الذكرى من تحركات وتطورات في ظل دعوات احزاب وجمعيات الى تحركات واعتصامات وتجمعات احياء للمناسبة.

ورغم المراوحة بسبب عقدة وزارة الداخلية التي تكاد تختصر المشكلة في وجه التأليف، فان الاجواء بين الرئيسين عون وميقاتي بقيت في اطار التعاون والايجابية، وان تراجعت موجة التفاؤل التي ساهم رئيس الحكومة المكلف في زيادتها بالاسلوب الذي يتميّز به في تعاطيه السياسي عموما وفي تأليف الحكومة خصوصا.

وقالت مصادر سياسية مطلعة في هذا المجال «صحيح ان موجة التفاؤل تراجعت مع بروز عقدتي وزارة الداخلية والعدل مجددا، الا ان اجواء اللقاءات والعلاقة بين ميقاتي وعون ليست سلبية ولا تتسم بالتشنج كما كان يحصل مع الرئيس الحريري.

لكنها لفتت في الوقت نفسه الى «ان رئيس الجمهورية ما زال على مطالبه التي لم تتغير او تتبدل على الاقل حتى الآن».

وحسب المعلومات المتوافرة من اجواء ونتائج اللقاءات الثلاثة التي جمعت عون وميقاتي، فان توزيع باقي الحقائب لا يواجه مشاكل او صعوبات، وهناك تأكيد بل تسليم بان تبقى وزارة المال في يد الشيعة. اما الحديث عن اقحامها في صلب النقاش حول توزيع الحقائب فهو يندرج في اطار المناورات التي تترافق مع المفاوضات الحكومية لا سيما حول عقدة وزارة الداخلية.

وتضيف المعلومات ان رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر لا يدخلان وزارة الطاقة في حسابهما، كما حصل مع الرئيس الحريري. ويبدو ان وزارة الصحة ستكون من نصيب حزب الله مرة اخرى على ان تسند وزارة الاشغال لتيار المستقبل او تيار المردة.

لا مبادرات حالياً

وبانتظار نتائج اسبوع التفاوض الصعب في بعبدا، فان الاوساط والاطراف السياسية بقيت في مرحلة المتابعة والترقب. وقالت مصادر مطلعة لـ «الديار» ان اجواء اللقاءات المفتوحة والتعاون بين عون وميقاتي تفترض ان يتابع الرجلان هذا المسار في الاطار الثنائي سعيا الى التوصل الى اتفاق بينهما.

واضافت ان الرئيس نبيه بري او حزب الله ليسا في صدد التحرك او المبادرة للمساعدة في تذليل الصعوبات والعقد في الوقت الحاضر، خصوصا ان الرئيس المكلف بادر منذ اللحظة الاولى فتح التواصل المباشر مع الافرقاء وبينهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي بقي الرئيس الحريري على قطيعة معه ولم يجتمع به مرة واحدة في اطار التشاور خارج الاستشارات النيابية التقليدية.

وقالت المصادر انه في حال تعقدت الامور فان الرئيس بري او حزب الله مستعدان للمساعدة كما فعلا خلال تكليف الرئيس الحريري، مع العلم ان مبادرة رئيس المجلس موجودة وصالحة في كل حين وهي تستند الى المبادرة الفرنسية بالتأكيد على وزراء الاختصاص غير الحزبيين، وعلى استبعاد اي شكل من اشكال الثلث المعطل لاي طرف من الاطراف، اما عدد الوزراء فهو مبدئيا 24 كما باشر الرئيس ميقاتي، وهو قابل للتغيير وفقا لمسار عملية تشكيل الحكومة.

ولفت امس في بيان الرئيس بري بمناسبة عيد الجيش دعوته الى «الاقتداء بمناقبية الجيش والى البذل والتضحية من اجل الوطن وليس التضحية بالوطن من اجل مصالح شخصية وفردية ضيّقة».

وفي تقويم للاجواء المحيطة بعملية تأليف الحكومة بعد تكليف الرئيس ميقاتي قال مصدر نيابي بارز لـ «الديار» امس: ما زلنا في بداية العملية مع الاشارة الى ان الرئيس ميقاتي يعكس مناخا ايجابيا مشجعا، لكن العبرة في خواتيمها. ومما لا شك فيه ان هناك تمايزا واضحا بين ميقاتي والحريري في هذه العملية، فالثقة كانت معدومة بين الرئيس عون والحريري بينما يبدو انها متبادلة بين عون وميقاتي على الاقل في الاطار العام والرغبة بالتعاون لانتاج الحكومة. كما ان رئيس الحكومة المكلف الجديد يتميز باسلوبه الذي يغلّب الامور الجيدة على المشاكل والتعقيدات.

وردا على سؤال قال ان من تكلم مع الرئيس ميقاتي مؤخرا سمع منه في موضوع وزارة الداخلية «ان البلاد ذاهبة الى انتخابات نيابية لذلك فان وزارة الداخلية لها دور مهم في الاشراف على هذه الانتخابات، ومن هنا فان المطلوب ان يتولى الوزارة شخصية حيادية تكتسب ثقة الناس والقوى السياسية.

واضاف المصدر ان ميقاتي لم يتطرق الى طائفة الوزير او طريقة تسميته، وحرص على الاكتفاء بهذا التعقيب العام حول مسألة وزارة الداخلية.

ولفت المصدر ايضا الى ان من تحادث مؤخرا مع ميقاتي يلمس جيدا انه «حريص على السير في الاسلوب الذي بدأه، وتغليب اجواء التفاؤل على التشاؤم، وانه لم يبح بعد بكامل اسراره حول كيفية التعاطي مع مهمته لتأليف الحكومة».

وحول الضمانات الدولية التي تحدث عنها الرئيس المكلف قال المصدر «هذا الموضوع هو عند الرئيس ميقاتي، وهناك كلام عن مشاورات تمهيدية اجراها مع مراجع دولية قد تكون ساهمت في تشجيعه على الترشح للتكليف. ولكن من الخطأ المبالغة في تقدير دور هذه الضمانات اذا لم تتوافر الارادة الداخلية لولادة الحكومة باسرع وقت. ويكفي الاشارة في هذا المجال الى التدخل المباشر للرئيس الفرنسي ماكرون وزيارته لبنان اكثر من مرة وانغماسه شخصيا في الدفع في اتجاه تأليف الحكومة منذ سنة، والنتيجة اننا ما زلنا نفتقد لحكومة الانقاذ الموعودة».

وفي السياق نفسه قالت مصادر سياسية ان فشل الرئيس ميقاتي في تأليف الحكومة ستكون عواقبه وخيمة، مشيرة الى ان الاجواء السياسية تنذر بان تداعيات هذا الفشل ربما تنعكس على مصير العهد قبل انتهاء مدة ولاية رئيس الجمهورية.

ولفتت الى ان الرئيس عون في حال فشل ميقاتي سيواجه ضغوطا خارجية وداخلية قوية، وربما تحولت هذه الضغوط الى فرض مزيد من العزلة عليه وعلى التيار الوطني الحر.

ذكرى 4 اب

على صعيد آخر تترقب الاوساط السياسية والشعبية يوم 4 آب ذكرى جريمة انفجار المرفأ التي ينتظر ان تشهد حراكا قويا في الشارع، خصوصا في ظل الدعوات الكثيرة والمتشعبة لاحياء هذه المناسبة.

ومن المتوقع ان تتوزع التحركات وفقا للجهات المشاركة فيها، لكن المؤكد ان الذكرى السنوية الاولى لانفجار المرفأ وبيروت ستكون محطة مهمة في ظل مسار هذه القضية التي تحوّلت من قضية يفترض ان تكون جامعة لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة واعادة اعمار العاصمة الى قضية يشتد النزاع حول كيفية التعاطي معها في ظل انقسام واضح حول موضوع رفع الحصانات والمسار القضائي بصورة عامة. 

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء