لم يكن الهجوم على سفينة «ميرسر ستريت» في خليج عُمان الاول من نوعه فهو مشابه لأربعة أحداث وقعت في الأشهر الأخيرة في منطقة المحيط الهندي، وكان آخرها حادث «غامض» مقابل سواحل الامارات. كل القوى تعرف انه رد ايراني على الاعتداءات الاسرائيلية في البر والبحر، سواء العمليات الامنية داخل ايران، او الهجمات على السفن الايرانية، ولهذا ليس مستغربا ارتفاع حدة التوتر على الحدود الجنوبية تزامنا مع بلوغ التهديدات الاسرائيلية لايران سقوفا عالية غير مسبوقة بدعم دعائي وسياسي اميركي- بريطاني لم يتجاوز حتى الآن حدود استخدامه «كورقة» ضغط في عملية التفاوض في فيينا المقرر ان تستأنف في وقت لاحق بعد استلام الرئيس ابراهيم رئيسي مقاليد السلطة في طهران.

لكن هذا التوتر الذي ترجم باطلاق صواريخ» يتيمة» باتجاه مستوطنة كريات شمونة واعتداءات اسرائيلية على الاراضي اللبنانية بالامس، لا يرتبط فقط بسخونة الموقف الاقليمي، وانما بخروج «اسرائيل» مرة جديدة عن «قواعد اللعبة» في سوريا، من خلال الغارات الجوية التي استهدفت مواقع محسوبة على حزب الله في القصير السورية ومنطقة السفيرة في حلب، وادت الى سقوط شهيد للحزب، حسب زعم مواقع معارضة سورية. لكن هل يعني ان المنطقة باتت على حافة مواجهة شاملة او محدودة؟ 

حزب الله وايران يريدان افهام «اسرائيل» والولايات المتحدة الاميركية ان اي مغامرة ستكون مكلفة، ولن تكون محدودة في المكان والزمان، هذا ما تقوله اوساط متابعة للاوضاع جنوبا، وتشير الى انهما لا يريدان استدراج اي حرب، ولكن يعملان على منعها من خلال التأكيد على الجهوزية التامة لمواجهة اي اعتداء غير محسوب النتائج من قبل «اسرائيل» التي تحاول خلق مناخ دولي واقليمي يساعدها على القيام بعملية خاطفة «ومؤذية» ضد الايرانيين او حزب الله، دون التورط بحرب، ضمن الهامش الموقت لتوقف عملية التفاوض في فيينا. 

وفي هذا السياق، يسود القلق في «اسرائيل» من عملية اطلاق «الصواريخ اللقيطة» من جنوب لبنان، الدوائر العسكرية هناك غير مهتمة بمدى تبني حزب الله المسؤولية عن اطلاقها، مع العلم ان الحزب لا يخجل من اعلان مسؤوليته عندما يتخذ القرار بالرد، وهو غير معني بتبرير موقفه ل «الاسرائيليين»، لكن في «الحسابات الاسرائيلية» لا شيء يحصل في الجبهة المقابلة دون علم الحزب، ومع تجاوز هذه النقطة الشكلية في الحوادث المتتالية، تبقى الاشكالية الخطرة بالنسبة ل «الاسرائيليين» نجاح «مناورة» بدائية لمطلقي الصواريخ في ارباك منظومة القبة الحديدية التي فشلت في اعتراض الصاروخين الموجهين نحو مستوطنة كيريات شمونة، عبر عملية «الهاء» بصواريخ اخرى انطلقت من الاراضي اللبنانية عبرت فوق فلسطين المحتلة وعادت الى مناطق لبنانية غير آهلة بالسكان، «والرسالة» هناك واضحة، من اطلق الصواريخ نجح في كشف «ثغرة» جوهرية ومميتة في «المنظومة الدفاعية الاسرائيلية»، وهذا يعني ان كل المستوطنات ستكون تحت نيران الصواريخ في اي حرب مقبلة، مع الاخذ بعين الاعتبار حجم الكم والنوع اللذين سيستخدمان مقارنة بثلاثة صواريخ اطلقت بالامس!  

ولهذا بدأت الاسئلة وعلامات الاستفهام تكبر داخل «اسرائيل»، حول الحسابات الخاطئة، فالتقدير بان انشغال حزب الله في الازمة الداخلية الخانقة، يسمح بتغيير قواعد اللعبة، سقط بعد سقوط «هيبة الردع الاسرائيلية» على الحدود بالامس تزامنا مع «مناورة اسرائيلية» تحاكي حربا مفترضة مع لبنان. وتنطبق هذه الحسابات الخاطئة على تقدير الموقف مع ايران، وثبت في ضوء المعركة البحرية التي خاضتها «إسرائيل» في السنتين الأخيرتين انه من الصواب طرح سؤالين:

- الأول: بأي قدر تسهم هذه الأعمال في المعركة التي تخوضها «إسرائيل» ضد البرنامج النووي الإيراني؟

- الثاني: هل أخذت القيادة السياسية التي وافقت على تنفيذ هذه الأعمال بالحسبان الردود الإيرانية المحتملة في المجال البحري ضد «إسرائيل»، وهو المجال الذي تتعلق فيه بشكل مطلق في تجارتها مع بلدان العالم حيث يستند الاقتصاد الاسرائيلي بشكل شبه مطلق الى السفن الدولية في تجارته الخارجية التي تشكل 99 في المئة من عموم التجارة الإسرائيلية؟ الجواب، كلا! 

وفي هذا السياق، تقرّ صحيفة «هارتس» الاسرائيلية بان قائد سلاح الجو في حرس الثورة الإيراني، أمير علي حاجي زادة، تسلم من قيادة إيران شيكا مفتوحا للمهاجمة بالطائرات المسيرة في حالة حدوث عملية إسرائيلية بعد ثلاث هجمات في سوريا خلال فترة أسبوع، واشارت الى انهم حددوا الاثمان في طهران كما فعل الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الحالات التي يصاب فيها مقاتلون من حزب الله في الهجمات على القواعد في سوريا. 

وفي سياق التحذير من الحسابات الخاطئة، قال محلل شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة نفسها تسفي بارئيل عندما تنتقل إيران إلى هجمات مباشرة ضد «اهداف إسرائيلية» ردا على «عمليات قتالية إسرائيلية»، فإن هذا لا يعتبر معركة أخرى بين حربين، بل هذه بداية حرب، واعتبر الامر تهديدا إستراتيجيا ووجوديا على «اسرائيل»، ناقلا عن مصادر في «الجيش الاسرائيلي» تأكيدها انهم ليسوا على استعدادٍ وجاهزيّة وقُدرة لخوض الحرب، محذرا من أنّ «إسرائيل» قد تجِد نفسها وحيدةً في المعركة ضد إيران، لان واشنطن ولندن لن تسمحا بالتخريب على الاتفاق النووي، واصفا التهديد الذي أطلقه وزير الأمن، بيني غانتس، بأنّ «إسرائيل» ستُعاقِب كلّ مَن يمس بها، بانه أمر مضحِك جدا، محملا القيادة السياسية الحالية والسابقة مسؤولية التخبط السائد اليوم. 

وامام هذه المعطيات، لا تقلل مصادر ديبلوماسية من خطورة «السخونة» المستجدة على اكثر من خطر تماس في المنطقة، لكنها تستبعد الانزلاق نحو حرب شاملة لا يريدها احد، وقد بات «الاسرائيليون» مدركين ان ايران ومعها حزب الله جاهزون للرد على اي خطوة غير محسوبة، فالقرار حاسم بمنع تغيير «قواعد اللعبة» في المنطقة؟ 

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب