بعد عطلة السنة الهجرية الإثنين، وعدم حصول أي تقدّم على مسار تأليف الحكومة، وتفاقم الأزمات في البلاد، من المازوت الى البنزين الى الغاز، وصولاً الى أزمة الدواء ونقص المعدّات الطبيّة في المستشفيات، لم يُعقد الثلاثاء أي لقاء بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، على ما كان متوقّعاً، إذ لم يتمّ تحديد موعد رسمي بين الرجلين،غير أنّ الرئيس عون وميقاتي التقيا الأربعاء، في لقاء سابع في قصر بعبدا، بعد تسريبات عن حصول اجتماع بين ميقاتي ورئيس «التيّار الوطني» النائب جبران باسيل للبحث في توزيع الحقائب والوزيرين المسيحيين، نفى المكتب الإعلامي للرئيس المكلّف حصوله، مؤكّداً أنّه لم يُعقد أي لقاء مع أي وسيط لرئيس الجمهورية.

وعلى وقع عدم تصديق الشعب اللبناني بأنّ الحكومة ستولد قريباً، وأنّها ستقوم بحلّ جميع المشاكل التي يُعاني منها في حياته اليومية، سيما وأنّ جميع المعطيات والمواقف تشير الى عدم التوافق على تشكيل الحكومة، يصرّ ميقاتي على القول بأنّ الأمور قد وصلت الى خواتيمها ، فيما مصادره تشيع العكس، ولا يبقى أمام اللبنانيين سوى الصبر والإنتظار والتمسّك بحبال الوعود والأمل. فهل تدحض الأيام المقبلة واللقاءات المتواصلة بين الرئيس عون وميقاتي كلّ الأقاويل عن عدم وجود أي توافق بين الرجلين حتى الآن، وتتوصّل الإتصالات الداخلية والضغوطات الخارجية الى قلب الوضع السائد والى ولادة الحكومة المنتظرة، أم تدخل البلاد مرحلة الجمود الحكومي بسبب الخلاف على بعض الحقائب الخدماتية، وترحيل البحث في السيادية الى حين الإنتهاء من توزيع غير السيادية على الطوائف والأحزاب؟!

أوساط ديبلوماسية مواكبة لا تتوقّع ولادة الحكومة قريباً، سيما وأنّ المفاوضات الأميركية - الإيرانية لم تصل بعد الى اتفاق بين البلدين، ولهذا تخشى أنّه سيكون على لبنان الإنتظار لفترة معيّنة بعد، رغم الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تُحكم الخناق على عنق المواطن اللبناني، أمّا أجواء التفاؤل التي يُحاول ميقاتي إشاعتها في البلاد، وهي أمر جيّد، فلا بدّ من ترجمتها على أرض الواقع وتقديم كلّ التسهيلات لولادتها، وبداية من خلال تكثيف اللقاءات بين عون وميقاتي وبين الرئيس المكلّف والقوى السياسية المعنية للتوافق الكامل على توزيع الحقائب.

وأضافت الاوساط بأنّه لا اتفاق حتى الساعة، على توزيع الحقائب غير السيادية، أو الخدماتيّة التي سيتم الإنتهاء منها أوّلاً، على ما جرى التوافق بين رئيس الجمهورية وميقاتي، خصوصاً وأنّ بعض القوى السياسية متمسّكة ببعض الحقائب دون الأخرى، وذلك قبل الإنتقال الى توزيع الحقائب السيادية والإتفاق على أي جهة ستُسمّي هذا الوزير أو ذاك، ومن ثمّ إسقاط الأسماء عليها. فالحزب التقدّمي الإشتراكي، على سبيل المثال، يُصرّ على الحصول على وزارة «الشؤون الإجتماعية»، ويفضّلها على «الطاقة» أو «الصحّة»، لما سيكون لها من دور أساسي في المرحلة المقبلة التي يتحضّر فيها لبنان الى تلقّي المزيد من المساعدات الدولية للشعب اللبناني، فيما تؤكّد مصادره أنّه لن يُعيق تشكيل الحكومة بل سيعمل على تسهيل الأمر من خلال عدم التمسّك بأي وزارة، حتى ولو كانت «الشؤون الإجتماعية»، ولفتت الى أنّ مطالب القوى من شأنها إعادة خلط أوراق التوزيع الذي وضعه ميقاتي، ولهذا سيكون عليه العمل على صيغة جديدة، من دون أسماء طبعاً، تُرضي الطوائف والأحزاب التي تودّ المشاركة في الحكومة العتيدة.

وفي حال مرّ توزيع الحقائب على الطوائف برضى هذه الأخيرة، على خير، يُصار بعده الى التفاهم على الحقائب السيادية، على ما قالت الأوساط نفسها، وهي مسألة معقّدة وإن أوحى ميقاتي أنّها لن تكون موضع سجال، وسيتمّ تدوير زواياها، وفقاً لما فُهم من كلامه الجمعة الفائت، عن أنّ الأمور وصلت الى خواتيمها، ومن ثمّ يدخل تشكيل الحكومة في مرحلة التسميات وإسقاط الأسماء المتوافق عليها على الحقائب، وهي الأسهل، لا سيما إذا ما جرى قطع المرحلة الأولى، كما الثانية، على ما يُرام.

وأكّدت الاوساط بأنّ مطالبة الرئيس عون بوزارة «الداخلية» لا تزال قائمة وهي مسألة قديمة ولا ترتبط بإجراء الإنتخابات النيابية في الربيع المقبل، فالرئيس يريدها من ضمن مبدأ مداورة الحقائب السيادية، ولأنّ المسيحيين لم يحصلوا عليها ولا على وزارة المال ولا مرّة في عهده. علماً بأنّ «الداخلية» جرى احتسابها من ضمن حصّة المسيحيين في تشكيلة الحريري، وجرى الخلاف على من يُسمّي وزير الداخلية، فيما يريد ميقاتي اعتماد التوزيع القائم حالياً، لكي لا يفتح عليه «وكر الدبابير»، على حدّ تعبيره، ما من شأنه إبقاء «الداخلية» في عهدة الطائفة السنيّة. كذلك فإنّ «الثنائي الشيعي» لا يزال يتمسّك بوزارة المال، وقد جرى التداول باسم يوسف خليل الذي سمّته «حركة أمل» لتسلّم هذه الحقيبة، غير أنّ شيئاً لم يُحسم في هذا الإطار حتى الآن، سيما وأنّه لم يتمّ الخوض في الأسماء بعد.

من هنا، لفتت الاوساط الى أنّ تمسّك بعض الطوائف بالحقائب السيادية نفسها، يهدف الى تكريس هذا العرف في المرحلة المقبلة، وهذا الأمر لا يجوز أن يستمرّ. فأن تبقى حقيبة سيادية معيّنة مع الطائفة نفسها الى مدى الحياة، هو أمر لا ينصّ عليه لا الدستور ولا القانون لا في لبنان ولا في أي بلد في العالم. ولهذا تتمّ الدعوة الى ضرورة اعتماد مبدأ المداورة في الحقائب السيادية والخدماتيّة.

وعن الضغوطات الخارجية، تحدّثت الأوساط عينها عن أنّ فرنسا تقوم ببعض المساعي البعيدة عن الأضواء من أجل التقريب في وجهات النظر بين الرئيس عون وميقاتي على توزيع الحقائب، خصوصاً وأنّها تريد أن تُشكّل الحكومة بما يخدم مصالحها في المرحلة المقبلة. وهذا ما تريده سائر دول الخارج التي تتدخّل في مسار تشكيل الحكومة مثل الولايات المتحدة الأميركية والسعودية الى جانب فرنسا، وما يهمّها، على ما تُعلن، هو وجود حكومة فاعلة لكي يتمكّن المجتمع الدولي من التعامل معها فيما يتعلّق بالمساعدات الإنسانية التي أقرّها المؤتمر الدولي الثالث لدعم الشعب اللبناني والتي بلغت 370 مليون دولار أميركي، حتى وإن كانت هذه الأخيرة لن تُعطى للحكومة بشكل مباشر، إنّما لجمعيات ولمؤسسات بإمكانها أن توصلها الى المتضرّرين والمحتاجين على صعيد التربية والصحّة والغذاء.

وتجد الاوساط بأنّ هذه المساعدات، وإن كانت إنسانية بالشكل، تهدف الى مدّ يدّ العون للشعب اللبناني الذي بات ينوء تحت الأزمة الإقتصادية الخانقة وتداعياتها على مستوى حياته اليومية والمعيشية ككلّ، إلاّ أنّها تودّ التأكيد على أنّ لبنان أصبح دولة عاجزة، وأنّ الدولة لا تسعى الى معالجة مشاكل الشعب، إنّما تتلهّى بتقاسم الحصص والمغانم والحقائب الوزارية.

وبرأي الاوساط، إنّ الأيام القليلة المقبلة ستُظهّر الصورة الحكومية أكثر، وإذا ما كانت تتجه هذه الأخيرة نحو الإنقشاع أو الضبابية. علماً بأنّ أي تطوّر إيجابي لم يحصل حتى الآن، باستثناء النيّة الفعلية لتشكيل الحكومة التي يُظهرها ميقاتي بعد كلّ لقاء مع عون، من دون الخوض في التفاصيل، لكي لا «تشوشط الطبخة»، وترى بأنّ تشكيل الحكومة لا بدّ وأن يُساهم في وقف التدهور الحاصل على جميع الأصعدة، وإعادة التوازن الى العجلة الإقتصادية من خلال تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي بما يُعيد لليرة اللبنانية مستوى قدرتها الشرائية، فيما عدم التوافق على التأليف، سيؤدّي الى تفاقم الأزمات القائمة، والى المزيد من التدهور على مختلف الأصعدة، وصولاً الى استخدام ميقاتي ورقة الإعتذار.